ويكي مصدر
arwikisource
https://ar.wikisource.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9
MediaWiki 1.46.0-wmf.24
first-letter
ميديا
خاص
نقاش
مستخدم
نقاش المستخدم
ويكي مصدر
نقاش ويكي مصدر
ملف
نقاش الملف
ميدياويكي
نقاش ميدياويكي
قالب
نقاش القالب
مساعدة
نقاش المساعدة
تصنيف
نقاش التصنيف
بوابة
نقاش البوابة
مؤلف
نقاش المؤلف
صفحة
نقاش الصفحة
فهرس
نقاش الفهرس
TimedText
TimedText talk
وحدة
نقاش الوحدة
فعالية
نقاش فعالية
ويكي مصدر:سياسات وإرشادات
4
3985
607843
577670
2026-04-21T17:34:53Z
حبيشان
52457
/* سياسات وتعليمات */ صفحة محذوفة
607843
wikitext
text/x-wiki
{{رأس الصفحة
| العنوان = سياسات وإرشادات
| المقطع =
| السابق = → [[ويكي مصدر:فهرس|فهرس]]
| التالي =
| اختصار = [[وم:سياسة]]
| ملاحظات = تسرد هذه الصفحة السياسات و الإرشادات المتفق عليها في ويكي مصدر.
}}
== سياسات وتعليمات ==
=== النصوص ===
{{ويكي مصدر:فهرس/جدول}}
|-
| [[ويكي مصدر:حقوق النسخ|حقوق النسخ]]
| '''[سياسة]''' توضح كيفية تعامل محرري ويكي مصدر مع حقوق التأليف والنشر للأعمال المختلفة الموجودة في ويكي مصدر.
|-
| [[ويكي مصدر:رئيسي|ما هو ويكي مصدر؟]]
| '''[سياسة]''' طبيعة ويكي مصدر وهدفه.
|-
| [[ويكي مصدر:محتويات ويكي مصدر|سياسة المحتويات]]
| '''[سياسة]''' تحدد الخطوط العامة التي تحدد ما يمكن قبول وجوده في ويكي مصدر و ما لا يمكن قبوله.
|-
| [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|دليل التنسيق]]
|'''[صفحة]''' تحدد تعليمات التنسيق المعتمدة في ويكي مصدر.
|-
| [[ويكي مصدر:ترجمة|الترجمة]]
|'''[صفحة]''' تحدد الترجمات المقبولة في ويكي مصدر.
|}
=== الصلاحيات الخاصة (إداريون وبيروقراطيون ومدققي مستخدم) ===
{{ويكي مصدر:فهرس/جدول}}
|-
| [[ويكي مصدر:سياسة المنع|سياسة المنع]]
| '''[سياسة]''' تصف العملية والأحكام لمنع المستخدمين من التحرير.
|-
| [[ويكي مصدر:سياسة الحذف|سياسة الحذف]]
| '''[سياسة]''' تصف العمليات والأحكام لحذف الصفحات.
|-
| [[ويكي مصدر:سياسة الحماية|سياسة الحماية]]
| '''[سياسة]''' تصف العمليات والأحكام لحماية الصفحات من التعديل.
|-
| [[ويكي مصدر:إداريون|إداريون]]
| '''[صفحة]''' تقدم معلومات تتعلق بالإداريين الحاليين لويكي مصدر العربي..
|-
| [[ويكي مصدر:سياسة ترشيح الإداريين|سياسة ترشيح الإداريين]]
| '''[سياسة]''' تصف المتطلبات الأساسية لترشيح الإداريين وقواعد التصويت.
|-
| [[ويكي مصدر:إزالة الصلاحيات الإدارية|إزالة الصلاحيات الإدارية]]
| '''[سياسة]''' تحدد قواعد وآلية إزالة الصلاحيات الإدارية.
|}
=== متنوعة ===
{{ويكي مصدر:فهرس/جدول}}
|-
| [[ويكي مصدر:بوت|سياسة البوت]]
| '''[سياسة]''' تحدد قواعد عمل البوت.
|-
|[[ويكي مصدر:سياسة اسم المستخدم|سياسة اسم المستخدم]]
|}
=== سياسات عامة ===
{{ويكي مصدر:فهرس/جدول}}
|-
|[[wmf:Policy:Terms_of_Use/ar|شروط الاستخدام]]
|الشروط العامة والمسؤوليات المتبادلة التي يجب على جميع المستخدمين الموافقة عليها قبل استخدام مشاريع ومواقع ويكيميديا أو إعادة استخدام محتواها.
|-
| [[wmf:Policy:Universal_Code_of_Conduct/ar|مدونة قواعد السلوك]]
|يحدد هذا الحد الأدنى من المبادئ التوجيهية للسلوك المتوقع وغير المقبول. وينطبق على كل من يتفاعل ويساهم في مشاريع ومساحات ويكيميديا عبر الإنترنت وخارجها.
|-
| [[m:Global_bans/ar|المنع العام]]
|عملية الإلغاء الرسمي لامتيازات التحرير عبر جميع مواقع ويكيميديا.
|-
|[[m:Special:MyLanguage/Password_policy|سياسة كلمات السر]]
|متطلبات كلمة المرور لمستخدمي ويكيميديا
|-
| [[wmf:Policy:Privacy_policy/ar|سياسة الخصوصية]]
|سياسة الخصوصية لجميع مواقع ويكيميديا
|-
|[[m:Meta:Policies_and_guidelines#All_Wikimedia_projects|الصلاحيات العامة]]
|مجموعة سياسات تحدد الصلاحيات العالمية.
|}
== للإنشاء ==
{{ويكي مصدر:فهرس/جدول}}
|-
| [[ويكي مصدر:آلية إقرار السياسات|آلية إقرار السياسات]]
| تحدد قواعد وآلية إقرار السياسات.
|-
|[[سياسة الوكيل]]
|يحظر المستخدمين من تحرير مشاريع ويكيميديا من خلال وكلاء مفتوح أو مجهول.
|-
|[[المبادئ التوجيهية للصور]]
|الخطوط العريضة للمبادئ التوجيهية ويكي مصدر عن إنتاج واستخدام الصور على الموقع.
|-
|[[المبادئ التوجيهية للرابط الحمراء]]
|يصف استخدام الروابط الحمراء.
|-
|[[المبادئ التوجيهية بوابة]]
|الخطوط العريضة للمبادئ التوجيهية بشأن استخدام البوابات.
|}
[[تصنيف:ويكي مصدر]]
lj4df15hq03qab7ghvuitk6uupfycxp
ويكي مصدر:سياسة الخصوصية
4
5430
607841
110460
2026-04-21T17:31:26Z
حبيشان
52457
تحويل
607841
wikitext
text/x-wiki
#تحويل [[wmf:Policy:Privacy_policy/ar]]
gd8m84j7m917v13dogdjrdsj1fzn0dj
البداية والنهاية/الجزء الأول/قصة موسى الكليم
0
23499
607855
277943
2026-04-21T20:23:52Z
~2026-24532-00
72009
607855
wikitext
text/x-wiki
{{TextQuality|75%}}{{مركزية
|عنوان= [[البداية والنهاية/الجزء الأول|البداية والنهاية - الجزء الأول]]
|مؤلف= ابن كثير
|باب=
|سابق= → [[البداية والنهاية/الجزء الأول/فضل يونس|فضل يونس]]
|لاحق= [[البداية والنهاية/الجزء الأول/فصل|فصل]] ←
|ملاحظات= قصة موسى الكليم
}}
{{نثر}}
وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } {{مردخ|مريم: 51-53}} وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن، وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة، وغير مطولة، وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير، وسنورد سيرته ههنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة، وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات، التي ذكرها السلف وغيرهم، إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } {{مردخ|القصص: 1-6}}.
يذكر تعالى ملخص القصة، ثم يبسطها بعد هذا فذكر: أنه يتلو على نبيه خبر موسى، وفرعون بالحق أي: بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له.
{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } أي: تجبر وعتا وطغى، وبغى وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى، وجعل أهلها شيعًا أي: قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع.
{ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } وهم: شعب بني إسرائيل، الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض، وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر، الفاجر، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف، وأردئها وأدناها.
ومع هذا { يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح: أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه سيخرج من ذريته غلام، يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها.
وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرًا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي، عن أبي صالح، وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان.
ولهذا قال الله تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ } وهم: بنو إسرائيل.
{ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } أي: الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم.
{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } أي: سنجعل الضعيف قويًا، والمقهور قادرًا، والذليل عزيزًا، وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل، كما قال تعالى: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا... } الآية {{مردخ|الأعراف: 137}}.
وقال تعالى: { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } {{مردخ|الشعراء: 57-59}}. وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود: أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى، حتى جعل رجالًا وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته.
وعند أهل الكتاب: أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بني إسرائيل، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم. وهذا فيه نظر، بل هو باطل، وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم } ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: { أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا }.
فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولًا، حذرًا من وجود موسى. هذا والقدر يقول: يا أيها ذا الملك الجبار، المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتساع سلطانه، قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا يخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتعداه، ولا تطلع على سر معناه.
ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك، على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما أوحى إليه، لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد، ذو البأس العظيم، والحول والقوة والمشيئة، التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل، بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار، فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعون بقتل الأبناء عامًا، وأن يتركوا عامًا.
فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت أمه به ذرعًا، واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت ألهمت، أن اتخذت له تابوتًا، فربطته في حبل، وكانت دارهما متاخمة للنيل، فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.
قال الله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } {{مردخ|القصص: 7-9}}.
هذا الوحي: وحي إلهام وإرشاد، كما قال تعالى: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا.. } الآية {{مردخ|النحل: 68-69}} وليس هو بوحي نبوة، كما زعمه ابن حزم، وغير واحد من المتكلمين؛ بل الصحيح الأول، كما حكاه أبو الحسن الأشعري، عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي: واسم أم موسى أيارخا، وقيل: أياذخت.
والمقصود: أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقي في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك، وإن الله سيجعله نبيًا مرسلًا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به، فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها، فذهب مع النيل فمر على دار فرعون { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ }.
قال الله تعالى: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقًا بقوله: { فَالْتَقَطَهُ } وأما إن جعل متعلقًا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم.
ويقوي هذا التقدير الثاني قوله: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } {{مردخ|القصص: 8}} وهو الوزير السوء { وَجُنُودَهُمَا } المتابعين لهما { كَانُوا خَاطِئِينَ } أي: كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرون على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون: آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل: إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل: بل كانت عمته، حكاه السهيلي، فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران، وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله {{صلى الله عليه وسلَم}} في الجنة.
فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه، أحبته حبًا شديدًا جدًا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه. فاستوهبته منه ودفعت عنه { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ } فقال لها فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا. أي: لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها: { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا } {{مردخ|القصص: 9}} وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه.
{ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } وذلك أنهما تبنياه؛ لأنه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى: { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم، حين قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده، وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى دربتة ابنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عز وجل.
{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } {{مردخ|القصص: 10-13}}.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا } أي: من كل شيء من أمور الدنيا، إلا من موسى.
{ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أي: لتظهر أمره، وتسأل عنه جهرة.
{ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } أي: صبرناها وثبتناها { لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }.
{ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ } وهي ابنتها الكبيرة، قصيه أي: اتبعي أثره، واطلبي له خبره { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } قال مجاهد: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده، ولهذا قال: { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة، فلم يقبل ثديًا ولا أخذ طعامًا، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى: { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق، لعل يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه، إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ }.
قال ابن عباس: لما قالت ذلك، قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقهم عليه؟.
فقالت: رغبة في صهر الملك، ورجاء منفعته، فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها، وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا.
وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها، وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلًا وأولادًا، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها، ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات و الكساوي والهبات، فرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } أي: كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته.
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال له: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } {{مردخ|طه: 37-39}}.
إذ قال قتادة، وغير واحد من السلف أي: تطعم، وترفه، وتغذى بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس، بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك، فيما صنعت بك لك، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري.
{ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } {{مردخ|طه: 40}} وسنورد حديث الفتون في موضعه، بعد هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ } {{مردخ|القصص: 14-17}}.
لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها، واحسانه بذلك، وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، وهو احتكام الخلق والخلق - وهو سن الأربعين - في قول الأكثرين، آتاه الله حكمًا وعلمًا، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال: { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }.
ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به، كما سيأتي.
قال تعالى: { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والسدي: وذلك نصف النهار.
وعن ابن عباس: بين العشائين.
{ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ } أي: يتضاربان ويتهاوشان.
{ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ } أي: إسرائيلي.
{ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } أي: قبطي. قاله: ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق.
{ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له، وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله أي: من الرضاعة.
فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي، أقبل إليه موسى { فَوَكَزَهُ } قال مجاهد أي: طعنه بجمع كفه.
وقال قتادة: بعصا كانت معه.
{ فَقَضَى عَلَيْهِ } أي: فمات منها. وقد كان ذلك القبطي كافرًا مشركًا بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه ومع هذا { قَالَ } موسى { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } أي: من العز والجاه { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ }.
{ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } {{مردخ|القصص: 18-21}}.
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفًا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، ويترتب على ذلك أمر عظيم، فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم { خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: يلتفت.
فبينما هو كذلك، إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه أي: يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ }.
ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك، وأقبل على القبطي { قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ }.
قال بعضهم: إنما قال هذا الكلام: الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس، وكأنه لما رأى موسى مقبلًا إلى القبطي، اعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } فقال ما قال لموسى، وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي، وأنه لما رآه مقبلًا إليه خافه، ورأى من سجيته انتصارًا جيدًا للإسرائيلي، فقال ما قال من باب الظن والفراسة: إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس، أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا، والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس، فأرسل في طلبه، وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ } ساعيًا إليه مشفقًا عليه فقال: { قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ } أي: من هذه البلدة { إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } أي: فيما أقوله لك.
قال الله تعالى: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلًا:
{ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } {{مردخ|القصص: 21-24}}.
يخبر تعالى عن خروج عبده، ورسوله، وكليمه من مصر خائفًا يترقب، أي: يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها.
{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي: اتجه له طريق يذهب فيه.
{ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود. وكذا وقع أو صلته إلى مقصود، وأي مقصود.
{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } وكانت بئرًا يستقون منها. ومدين هي: المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب عليه السلام. وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء.
{ وَلَمَّا وَرَدَ } الماء المذكور.
{ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } أي: تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس.
وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضًا من الغلط، وكأنه كنَّ سبعًا ولكن إنما كان تسقي اثنتان منهن، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظًا، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان.
{ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } أي: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره. قال الله تعالى: { فَسَقَى لَهُمَا }.
قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فتجىء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر، كما كان.
قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة رجال، وإنما استقى ذنوبًا واحدًا فكفاهما.
{ ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } قالوا: وكان ظل شجرة من السمر. روى ابن جرير، عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف.
{ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل، وورق الشجر، وكان حافيًا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة.
قال عطاء بن السائب: لما { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } أسمع المرأة.
{ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } {{مردخ|القصص: 25-28}}.
لما جلس موسى عليه السلام في الظل، و { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } سمعته المرأتان فيما قيل، فذهبتا إلى أبيهما، فيقال: إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } أي: مشي الحراير { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } صرحت له بهذا، لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها.
{ فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر، فرارًا من فرعونها، قال له ذلك الشيخ: { لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل هو: شعيب عليه السلام، وهذا هو المشهور عند كثيرين، وممن نصَّ عليه الحسن البصري، ومالك بن أنس، وجاء مصرحًا به في حديث، ولكن في إسناده نظر.
وصرَّح طائفة بأن شعيبًا عليه السلام عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه، حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا اسمه: شعيب. وكان سيد الماء، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين.
وقيل: إنه ابن أخي شعيب.
وقيل: ابن عمه.
وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب.
وقيل: رجل اسمه يثرون، هكذا هو في كتب أهل الكتاب، يثرون: كاهن مدين، أي: كبيرها، وعالمها.
قال ابن عباس، وأبو عبيدة بن عبد الله: اسمه يثرون، زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب، زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه، وأكرم مثواه، وقصَّ عليه ما كان من أمره، بشَّره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: { يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي: لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين.
قال عمرو ابن عباس، وشريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لما قالت ذلك قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟
فقالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلف الطريق فاقذفي لي بحصاة، أعلم بها كيف الطريق.
قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.
{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين، أو الثوبين، ونحو ذلك أنه يصح لقوله: إحدى ابنتي هاتين، وفي هذا نظر لأن هذه مراوضة لا معاقدة، والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الإيجار بالطعمة، والكسوة، كما جرت به العادة، واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجه في (سننه) مترجمًا عليه في كتابه: باب إستئجار الأجير على طعام بطنه.
حدثنا محمد بن الصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، قال: سمعت عتبة بن الدر يقول: كنا عند رسول الله {{صل}} فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى، قال:
« إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشرة على عفة فرجه، وطعام بطنه ».
وهذا من هذا الوجه لا يصح، لأن مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي، ضعيف عند الأئمة، لا يحتج بتفرده.
ولكن قد روي من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحار ث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، قال:
سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله {{صل}} يحدث أن رسول الله {{صل}} قال:
« إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه ».
ثم قال تعالى: { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة، أي الأجلين قضى موسى؟
فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فاسأله.
فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما، وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير، عن أحمد بن محمد الطوسي، وابن أبي حاتم، عن أبيه كلاهما، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله {{صل}} قال:
« سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أتمهما وأكملهما ».
وإبراهيم هذا غير معروف، إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي {{صل}} فذكره.
وقد رواه سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلًا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل، فسأل جبريل إسرافيل، فسأل إسرافيل الرب عز وجل، فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم، من حديث يوسف بن سرح مرسلًا، ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب، أن رسول الله {{صل}} سُئل أي الأجلين قضى موسى.
قال: « أوفاهما، وأتمهما ».
وقد رواه البزار، وابن أبي حاتم، من حديث عويد بن أبي عمران الجوني - وهو ضعيف - عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر أن رسول الله {{صل}} سئل أي الأجلين قضى موسى، قال:
« أوفاهما، وأبرهما ».
قال: « وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما ».
وقد رواه البزار، وابن أبي حاتم، من طريق عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح، عن عتبة بن النذر أن رسول الله قال:
« إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعام بطنه ».
فلما وفى الأجل، قيل يا رسول الله: أي الأجلين؟
قال: « أبرهما وأوفاهما ».
فلما أراد فراق شعيب، سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه، من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سودًا حسانًا.
فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض، فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة، قال: فاتمئت، وآنثت، ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا عزوز، ولا ثعول، ولا كموش، تفوت الكف.
قال النبي {{صل}}: « لو اقتحمتم الشام، وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ».
قال ابن لهيعة: الفشوش: واسعة السخب. والضبوب: طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة السخب، والثعول: الصغيرة الضرع، كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره.
وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، وقد يكون موقوفًا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، قال:
لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها، فعمد فوضع خيالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهن بلقًا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام، وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان، أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقًا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام، فالله أعلم.
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } {{مردخ|القصص: 29-32}}.
تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ } وعن مجاهد أنه أكمل عشرًا وعشرًا بعدها. وقوله: { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } أي: من عند صهره ذاهبًا فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم، أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم، وغنم قد استفادها مدة مقامه.
قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يوري زناده فلا يرى شيئًا، واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارًا تأجج في جانب الطور، وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لأهله: { امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } وكأنه - والله أعلم - رآها دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد.
{ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } أي: لعلي أستعلم من عندها عن الطريق.
{ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الأخرى: { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } {{مردخ|طه: 9-10}}.
فدل على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق، وجمع الكل في سورة النمل في قوله: { قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } {{مردخ|النمل: 7}}.
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدى وأي هدى، واقتبس منها نورًا وأي نور. قال الله تعالى: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|القصص: 30}}.
وقال في النمل: { فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|النمل: 8}} أي: سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
{ يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } {{مردخ|النمل: 9}}
وقال في سورة طه: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى } {{مردخ|طه: 11-16}}.
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها، فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج، وكل ما لتلك النار في اضطرام، وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد، فوقف متعجبًا، وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه.
كما قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } {{مردخ|القصص: 44}}. وكان موسى في واد اسمه: طوى، فكان موسى مستقبل القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب، فناداه ربه بالواد المقدس طوى، فأمر أولًا بخلع نعليه تعظيمًا وتكريمًا وتوقيرًا لتلك البقعة المباركة، ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب: أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور، مهابة له وخوفًا على بصره، ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلًا له: { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|القصص: 30}} { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } {{مردخ|طه: 14}}.
أي: أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له، ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } أي: من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها، ومجانبة من لا يؤمن بها، ممن عصى مولاه واتبع هواه. ثم قال له مخاطبًا ومؤانسًا ومبينًا له أنه القادر على كل شيء، الذي يقول للشيء كن فيكون. { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى } {{مردخ|طه: 17}} أي: أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها؟
{ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } {{مردخ|طه: 18}} أي: بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها.
{ قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } {{مردخ|طه: 19-20}} وهذا خارق عظيم، وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب: أنه سأل برهانًا على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عز وجل: ما هذه التي في يدك؟
قال: عصاي. قال: ألقها إلى الأرض.
{ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } {{مردخ|طه: 20}} فهرب موسى من قدامها، فأمره الرب عز وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } {{مردخ|النمل: 10}} أي: قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة، وأنياب تصك، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان، وهو ضرب من الحيات.
يقال: الجان والجنان، وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدًا. فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة، فلما عاينها موسى عليه السلام { وَلَّى مُدْبِرًَا } أي: هاربًا منها لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك. { وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي: ولم يلتفت، فناداه ربه قائلًا له: { يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ } {{مردخ|القصص: 21}}.
فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها، { قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى } {{مردخ|طه: 21}} فيقال: إنه هابها شديدًا فوضع يده في كم مدرعته، ثم وضع يده في وسط فمها.
وعند أهل الكتاب بذنبها، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين والمغربين.
ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا من غير سوء أي: من غير برص ولا بهق، ولهذا قال: { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } قيل: معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصًا به، إلا أن بركة الإيمان به حق، بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء.
وقال في سورة النمل: { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } {{مردخ|النمل: 12}} أي: هاتان الآيتان: وهما العصا واليد، وهما البرهانان المشار إليهما في قوله: { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }.
ومع ذلك سبع آيات أخر، فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان، حيث يقول تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } {{مردخ|الإسراء: 101-102}}.
وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ } {{مردخ|130-133}}.
كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه، وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات، فإن التسع: من كلمات الله القدرية، والعشر: من كلماته الشرعية. وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة، فظن أن هذه هي هذه، كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } {{مردخ|القصص: 33-35}}.
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله، وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عز وجل، حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فرارًا من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي، ولهذا { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } أي: اجعله معي معينًا، وردءًا ووزيرًا يساعدني، ويعينني على أداء رسالتك إليهم، فإنه أفصح مني لسانًا وأبلغ بيانًا.
قال الله تعالى مجيبًا له إلى سؤاله: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } أي: برهانًا. { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } أي: فلا ينالون منكما مكروهًا بسبب قيامكما بآياتنا. وقيل: ببركة آياتنا.
{ أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } وقال في سورة طه: { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } {{مردخ|طه: 24-28}}.
قيل: إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت: إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه، فهم بأخذ التمرة، فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها، فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقية، ولهذا قال فرعون - قبحه الله - فيما زعم إنه يعيب به الكليم، { وَلَا يَكَادُ يُبِيْنُ } {{مردخ|الزخرف: 52}} أي: يفصح عن مراده، ويعبر عما في ضميره وفؤاده.
ثم قال موسى عليه السلام: { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى } {{مردخ|طه: 32-36}} أي: قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت، وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل، حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم. قال الله تعالى: { وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيْهًا } {{مردخ|الأحزاب: 69}}.
وقال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } {{مردخ|مريم: 53}}.
وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلًا يقول لأناس وهم سائرون طريق الحج: أي أخ أمن على أخيه؟
فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون.
فأوحى إليه قال الله تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا }.
قال تعالى في سورة الشعراء: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } {{مردخ|الشعراء: 10-19}}.
تقدير الكلام: فأتياه فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤوا، ويتفرغون لتوحيده ودعائه، والتضرع لديه، فتكبر فرعون في نفسه، وعتا وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلًا له:
{ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } أي: أما أنت الذي ربيناه في منزلنا، وأحسنّا إليه، وأنعمنا عليه مدة من الدهر. وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فرّ منه، خلافًا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فرّ منه مات في مدة مقامه بمدين، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله: { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } أي: وقتلت الرجل القبطي، وفررت منا وجحدت نعمتنا.
{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } {{مردخ|الشعراء: 20}} أي: قبل أن يوحى إلي وينزل علي.
{ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ } {{مردخ|الشعراء: 21}} ثم قال مجيبًا لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } {{مردخ|الشعراء: 22}} أي: وهذه النعمة التي ذكرت، من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل، تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك.
{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } {{مردخ|الشعراء: 23-28}}.
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية، وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى، وزعم أنه الإله { فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } {{مردخ|النازعات: 23-24}}.
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } {{مردخ|القصص: 38}} وهو في هذه المقالة معاند، يعلم أنه عبد مربوب، وأن الله هو الخالق البارىء المصور الإله الحق، كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } {{مردخ|النمل: 14}}.
ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته، والإظهار أنه ما ثم رب أرسله: { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } لأنهما قالا له: { إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثتكما؟
فأجابه موسى قائلًا: { رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } يعني: رب العالمين، خالق هذه السموات والأرض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتعددة من السحاب، والرياح، والمطر، والنبات، والحيوانات، التي يسلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولا بدلها من موجد، ومحدث وخالق، وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
قال أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه، على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام: { أَلَا تَسْتَمِعُونَ } يعني: كلامه هذا. قال موسى مخاطبًا له ولهم: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ }.
أي: هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد، والقرون السالفة في الآباد، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه، ولم يحدث من غير محدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين، وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } {{مردخ|فصلت: 53}}.
ومع هذا كله، لم يستفق فرعون من رقدته، ولا نزع عن ضلالته، بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه { قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } {{مردخ|الشعراء: 27-28}}
أي: هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة، المسير للأفلاك الدائرة، خالق الظلام والضياء، ورب الأرض والسماء، رب الأولين والآخرين، خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة، والثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وفلك يسبحون، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون، وانقطعت شبهه، ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } {{مردخ|الشعراء: 29-33}}.
وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما، وهما: العصا واليد، وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذي بهر به العقول والأبصار، حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أي: عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر.
حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد، وخوف عظيم، بحيث أنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يومًا إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال.
وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه واستخرجها رجعت إلى صفتها الأولى، ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشيء من ذلك.
بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته، ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين، والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه: { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى* قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } {{مردخ|طه: 40-46}}.
يقول تعالى مخاطبًا لموسى فيما كلّمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدًا لك وأنت في دار فرعون، وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين، بمشيئتي وقدرتي وتدبيري، فلبثت فيها سنين.
{ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى } أي: مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري.
{ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } أي: اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي.
{ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي } يعني: ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه، ووفدتما إليه فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته، وإهداء النصيحة إليه، وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الأحاديث يقول الله تعالى:
« إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه ». وقال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا..... } الآية {{مردخ|الأنفال: 45}}.
ثم قال تعالى: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } وهذا من حلمه تعالى وكرمه، ورأفته ورحمته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره، وهو إذ ذاك أردى خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين، ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى، كما قال لرسوله: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } {{مردخ|النحل: 125}}.
وقال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.... } الآية {{مردخ|العنكبوت: 46}}.
قال الحسن البصري: { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } أعذرا إليه قولًا له إن لك ربًا ولك معادًا، وإن بين يديك جنة ونارًا.
وقال وهب بن منبه: قولا له إني لي العفو والمغفرة، أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.
قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه!
{ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى } {{مردخ|طه: 45}} وذلك أن فرعون كان جبارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا، له سلطان في بلاد مصر طويل عريض، وجاه وجنود وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشرية، وخافا أن يسطو عليهما في بادىء الأمر، فثبتهما تعالى وهو العلي الأعلى فقال: { لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } {{مردخ|طه: 46}}.
كما قال في الآية الأخرى: { إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } {{مردخ|الشعراء: 15}} { فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } {{مردخ|طه: 47-48}}.
يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون، فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبده وحده لا شريك له، وأن يرسل معهم بني إسرائيل، ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم. { قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ } {{مردخ|طه: 47}} وهو البرهان العظيم في العصى واليد.
{ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } تقيد مفيد بليغ عظيم، ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا: { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } أي: كذب بالحق بقلبه، وتولى عن العمل بقالبه.
وقد ذكر السدي وغيره: أنه لما قدم من بلاد مدين، دخل على أمه وأخيه هرون وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل - وهو اللفت - فأكل معهما، ثم قال: يا هرون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق.
فقال موسى للبوابين والحجبة: أعلموه أن رسول الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به.
وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل.
وقال محمد بن إسحاق: أذن لهما بعد سنتين؛ لأنه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما، فالله أعلم.
ويقال: إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون وأمر بإحضارهما، فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما.
وعند أهل الكتاب أن الله قال لموسى عليه السلام: إن هرون اللاوي، يعني من نسل لاوي بن يعقوب، سيخرج ويتلقاك، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يظهر ما أتاه من الآيات، وقال له: سأقسي قلبه فلا يرسل الشعب، وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر.
وأوحى الله إلى هرون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب، فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه، فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل، وذهبا إلى فرعون، فلما بلغاه رسالة الله قال: من هو الله لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل؟
وقال الله مخبرًا عن فرعون: { قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } {{مردخ|طه: 49-55}}.
يقول تعالى مخبرًا عن فرعون إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلًا: { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } أي: هو الذي خلق الخلق، وقدَّر لهم أعمالًا وأرزاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له، فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه، لكمال علمه وقدرته وقدره، وهذه الآية كقوله تعالى: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } {{مردخ|الأعلى: 1-3}} أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه.
{ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى } يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق، المقدر، الهادي الخلائق لما قدره، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه، فلم عبد الأولون غيره، وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى؟
{ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } أي: هم وإن عبدوا غيره، فليس ذلك بحجة لك، ولا يدل على خلاف ما أقول، لأنهم جهلة مثلك، كل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر، من صغير وكبير، وسيجزيهم على ذلك ربي عز وجل، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرة.
لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده، في كتاب لا يضل عنه شيء، ولا ينسى ربي شيئًا، ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء، وجعله الأرض مهادًا، والسماء سقفًا محفوظًا، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد، ودوابهم، وأنعامهم، كما قال: { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى } {{مردخ|طه: 54}} أي: لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفطر القويمة غير السقيمة، فهو تعالى الخالق الرزاق.
وكما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } {{مردخ|البقرة: 21-22}}.
ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه، نبه به على المعاد، فقال: { مِنْهَا } أي: من الأرض خلقناكم { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى }.
كما قال تعالى: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } {{مردخ|الأعراف: 29}}.
وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } {{مردخ|الروم: 27}}.
ثم قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } {{مردخ|طه: 56-59}}.
يخبر تعالى عن شقاء فرعون، وكثرة جهله، وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتباعها، وقوله لموسى إن هذا الذي جئت به سحر، ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم، ومكان معلوم، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام، أن يظهر آيات الله، وحججه، وبراهينه جهرة، بحضرة الناس، ولهذا قال: { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } وكان يوم عيد من أعيادهم، ومجتمع لهم.
{ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } أي: من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس، فيكون الحق أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلام، كيما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرة، لأنه على بصيرة من ربه ويقين، أن الله سيظهر كلمته ودينه، وإن رغمت أنوف القبط.
قال الله تعالى: { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } {{مردخ|طه: 60-64}}.
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء، في فنهم غاية، فجمعوا له من كل بلد، ومن كل مكان، فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير.
فقيل: كانوا ثمانين ألفًا، قاله محمد بن كعب.
وقيل: سبعين ألفًا قاله القاسم بن أبي بردة.
وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفًا.
وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفًا.
وقال محمد بن إسحاق: خمسة عشر ألفًا.
وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلًا، وروي عنه أيضًا: أنهم كانوا أربعين غلامًا من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء، فيتعلموا السحر ولهذا قالوا: وما أكرهتنا عليه من السحر، وفي هذا نظر.
وحضر فرعون وأمراؤه، وأهل دولته، وأهل بلده عن بكرة أبيهم، وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } {{مردخ|الشعراء: 40}}.
وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة، فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل، الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه، فقال: { لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ... } {{مردخ|طه: 61-62}} قيل: معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم، فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر فالله أعلم، وأسروا التناجي بهذا وغيره.
{ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا } يقولون: إن هذا وأخاه هرون ساحران، عليمان، مطبقان، متقنان لهذه الصناعة، ومرادهم أن يجتمع الناس عليهما، ويصولا على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمرا عليكم بهذه الصناعة.
{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } وإنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا، ويتواصوا، ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة، والمكر، والخديعة، والسحر، والبهتان، وهيهات كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء أنى يعارض البهتان والسحر والهذيان، خوارق العادات التي أجراها الديان، على يدي عبده الكليم، ورسوله الكريم، المؤيد بالبرهان، الذي يبهر الأبصار، وتحار فيه العقول والأذهان.
وقولهم: { فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } أي: جميع ما عندكم.
{ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } أي: جملة واحدة، ثم حضوا بعضهم بعضًا على التقدم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.
{ قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } {{مردخ|طه: 65-69}}.
لما اصطف السحرة، ووقف موسى وهرون عليهما السلام تجاههم، قالوا له: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك، { قَالَ بَلْ أَلْقُوا } أنتم وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصي، فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا، يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب ذلك، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون: { بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } {{مردخ|الشعراء: 44}}.
قال الله تعالى: { قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } {{مردخ|الأعراف: 116}}.
وقال تعالى: { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يلقي ما في يده، فإنه لا يضع شيئًا قبل أن يؤمر، فأوحى الله إليه في الساعة الراهنة: { تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: { مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } {{مردخ|يونس: 81-82}}.
وقال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } {{مردخ|الأعراف: 117-122}}.
وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها صارت حية عظيمة ذات قوائم، فيما ذكره غير واحد من علماء السلف، وعنق عظيم، وشكل هائل مزعج، بحيث أن الناس انحازوا منها، وهربوا سراعًا، وتأخروا عن مكانها، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي، فجعلت تلقفه واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها.
وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم، واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم، ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم، أن هذا ليس بسحر ولا شعبذة، ولا محال، ولا خيال، ولا زور، ولا بهتان، ولا ضلال، بل حق لا يقدر عليه إلا الحق الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق.
وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهدى، وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربهم، وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى: آمنا برب موسى وهرون.
كما قال تعالى: { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } {{مردخ|طه: 70-76}}.
قال سعيد بن جبير، وعكرمة، والقاسم بن أبي بردة، والأوزاعي وغيرهم: لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة، تهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون، وتهديده، ووعيده.
وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا، وأشهروا ذكروا موسى وهرون في الناس على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمرًا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع، وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله فقال مخاطبًا للسحرة بحضرة الناس: { آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } {{مردخ|الأعراف: 123}}.
أي: هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي، ثم تهدد وتوعد وابرق وارعد وكذب فأبعد قائلًا: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ }. وقال في الآية الأخرى: {...إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } {{مردخ|الأعراف: 123}}.
وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان، بل لا يروج مثله على الصبيان، فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يومًا من الدهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر.
ثم هو لم يجمعهم، ولا علم باجتماعهم، حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم، واجتباهم من كل فج عميق، وواد سحيق، ومن حواضر بلاد مصر، والأطراف ومن المدن والأرياف.
قال الله تعالى في سورة الأعراف:
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } {{مردخ|الأعراف: 103-126}}.
وقال تعالى في سورة يونس:
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } {{مردخ|يونس: 75-82}}.
وقال تعالى في سورة الشعراء: { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } {{مردخ|الشعراء: 29-51}}.
والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } وأتى ببهتان يعلمه العالمون، بل العالمون في قوله: { لَكُمْ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }.
وقوله: { لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ }: يعني يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه. { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } أي: ليجعلهم مثلة ونكالًا، لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل ملته، ولهذا قال: { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أي: على جذوع النخل لأنها أعلى وأشهر.
{ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } يعني: في الدنيا.
{ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } أي: لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات.
{ وَالَّذِي فَطَرَنَا } قيل: معطوف، وقيل: قسم.
{ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } أي: فافعل ما قدرت عليه. { إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله.
{ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب.
وأبقى أي: وأدوم من هذه الدار الفانية.
وفي الآية الأخرى: { قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا } أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم. { أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: من القبط، بموسى وهرون عليهما السلام.
وقالوا له أيضًا: { وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } أي: ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا، واتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا.
{ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي: ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد. { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ }.
وقالوا أيضًا يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم: { إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى } يقولون له: فإياك أن تكون منهم فكان منهم.
{ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى } أي: المنازل العالية.
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } فاحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع، وحكم العلي العظيم بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم ليباشر العذاب الأليم؛ يصب من فوق رأسه الحميم.
ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح المنبوح، والذميم اللئيم: { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } {{مردخ|الدخان: 49}}.
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون - لعنه الله - صلبهم وعذبهم رضي الله عنهم.
قال عبد الله بن عباس، وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة، ويؤيد هذا قولهم: { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِيْنَ }
{{هامش محدود}}
{{البداية والنهاية/الجزء الأول}}
[[تصنيف:البداية والنهاية:الجزء الأول|{{صفحة فرعية}}]]
rj37ynoq6ftkk3n1bfeb91qhs0us5cr
607856
607855
2026-04-21T20:26:14Z
~2026-24532-00
72009
607856
wikitext
text/x-wiki
{{TextQuality|75%}}{{مركزية
|عنوان= [[البداية والنهاية/الجزء الأول|البداية والنهاية - الجزء الأول]]
|مؤلف= ابن كثير
|باب=
|سابق= → [[البداية والنهاية/الجزء الأول/فضل يونس|فضل يونس]]
|لاحق= [[البداية والنهاية/الجزء الأول/فصل|فصل]] ←
|ملاحظات= قصة موسى الكليم
}}
{{نثر}}
وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } {{مردخ|مريم: 51-53}} وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن، وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة، وغير مطولة، وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير، وسنورد سيرته ههنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة، وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات، التي ذكرها السلف وغيرهم، إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } {{مردخ|القصص: 1-6}}.
يذكر تعالى ملخص القصة، ثم يبسطها بعد هذا فذكر: أنه يتلو على نبيه خبر موسى، وفرعون بالحق أي: بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له.
{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } أي: تجبر وعتا وطغى، وبغى وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى، وجعل أهلها شيعًا أي: قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع.
{ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } وهم: شعب بني إسرائيل، الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض، وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر، الفاجر، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف، وأردئها وأدناها.
ومع هذا { يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح: أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه سيخرج من ذريته غلام، يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها.
وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرًا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي، عن أبي صالح، وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان.
ولهذا قال الله تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ } وهم: بنو إسرائيل.
{ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } أي: الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم.
{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } أي: سنجعل الضعيف قويًا، والمقهور قادرًا، والذليل عزيزًا، وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل، كما قال تعالى: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا... } الآية {{مردخ|الأعراف: 137}}.
وقال تعالى: { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } {{مردخ|الشعراء: 57-59}}. وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود: أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى، حتى جعل رجالًا وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته.
وعند أهل الكتاب: أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بني إسرائيل، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم. وهذا فيه نظر، بل هو باطل، وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم } ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: { أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا }.
فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولًا، حذرًا من وجود موسى. هذا والقدر يقول: يا أيها ذا الملك الجبار، المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتساع سلطانه، قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا يخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتعداه، ولا تطلع على سر معناه.
ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك، على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما أوحى إليه، لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد، ذو البأس العظيم، والحول والقوة والمشيئة، التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل، بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار، فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعون بقتل الأبناء عامًا، وأن يتركوا عامًا.
فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت أمه به ذرعًا، واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت ألهمت، أن اتخذت له تابوتًا، فربطته في حبل، وكانت دارهما متاخمة للنيل، فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.
قال الله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } {{مردخ|القصص: 7-9}}.
هذا الوحي: وحي إلهام وإرشاد، كما قال تعالى: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا.. } الآية {{مردخ|النحل: 68-69}} وليس هو بوحي نبوة، كما زعمه ابن حزم، وغير واحد من المتكلمين؛ بل الصحيح الأول، كما حكاه أبو الحسن الأشعري، عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي: واسم أم موسى أيارخا، وقيل: أياذخت.
والمقصود: أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقي في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك، وإن الله سيجعله نبيًا مرسلًا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به، فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها، فذهب مع النيل فمر على دار فرعون { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ }.
قال الله تعالى: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقًا بقوله: { فَالْتَقَطَهُ } وأما إن جعل متعلقًا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم.
ويقوي هذا التقدير الثاني قوله: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } {{مردخ|القصص: 8}} وهو الوزير السوء { وَجُنُودَهُمَا } المتابعين لهما { كَانُوا خَاطِئِينَ } أي: كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرون على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون: آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل: إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل: بل كانت عمته، حكاه السهيلي، فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران، وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَم في الجنة.
فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه، أحبته حبًا شديدًا جدًا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه. فاستوهبته منه ودفعت عنه { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ } فقال لها فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا. أي: لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها: { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا } {{مردخ|القصص: 9}} وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه.
{ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } وذلك أنهما تبنياه؛ لأنه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى: { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم، حين قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده، وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى دربتة ابنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عز وجل.
{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } {{مردخ|القصص: 10-13}}.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا } أي: من كل شيء من أمور الدنيا، إلا من موسى.
{ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أي: لتظهر أمره، وتسأل عنه جهرة.
{ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } أي: صبرناها وثبتناها { لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }.
{ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ } وهي ابنتها الكبيرة، قصيه أي: اتبعي أثره، واطلبي له خبره { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } قال مجاهد: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده، ولهذا قال: { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة، فلم يقبل ثديًا ولا أخذ طعامًا، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى: { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق، لعل يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه، إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ }.
قال ابن عباس: لما قالت ذلك، قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقهم عليه؟.
فقالت: رغبة في صهر الملك، ورجاء منفعته، فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها، وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا.
وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها، وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلًا وأولادًا، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها، ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات و الكساوي والهبات، فرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } أي: كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته.
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال له: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } {{مردخ|طه: 37-39}}.
إذ قال قتادة، وغير واحد من السلف أي: تطعم، وترفه، وتغذى بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس، بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك، فيما صنعت بك لك، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري.
{ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } {{مردخ|طه: 40}} وسنورد حديث الفتون في موضعه، بعد هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ } {{مردخ|القصص: 14-17}}.
لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها، واحسانه بذلك، وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، وهو احتكام الخلق والخلق - وهو سن الأربعين - في قول الأكثرين، آتاه الله حكمًا وعلمًا، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال: { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }.
ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به، كما سيأتي.
قال تعالى: { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والسدي: وذلك نصف النهار.
وعن ابن عباس: بين العشائين.
{ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ } أي: يتضاربان ويتهاوشان.
{ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ } أي: إسرائيلي.
{ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } أي: قبطي. قاله: ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق.
{ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له، وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله أي: من الرضاعة.
فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي، أقبل إليه موسى { فَوَكَزَهُ } قال مجاهد أي: طعنه بجمع كفه.
وقال قتادة: بعصا كانت معه.
{ فَقَضَى عَلَيْهِ } أي: فمات منها. وقد كان ذلك القبطي كافرًا مشركًا بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه ومع هذا { قَالَ } موسى { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } أي: من العز والجاه { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ }.
{ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } {{مردخ|القصص: 18-21}}.
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفًا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، ويترتب على ذلك أمر عظيم، فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم { خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: يلتفت.
فبينما هو كذلك، إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه أي: يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ }.
ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك، وأقبل على القبطي { قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ }.
قال بعضهم: إنما قال هذا الكلام: الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس، وكأنه لما رأى موسى مقبلًا إلى القبطي، اعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } فقال ما قال لموسى، وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي، وأنه لما رآه مقبلًا إليه خافه، ورأى من سجيته انتصارًا جيدًا للإسرائيلي، فقال ما قال من باب الظن والفراسة: إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس، أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا، والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس، فأرسل في طلبه، وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ } ساعيًا إليه مشفقًا عليه فقال: { قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ } أي: من هذه البلدة { إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } أي: فيما أقوله لك.
قال الله تعالى: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلًا:
{ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } {{مردخ|القصص: 21-24}}.
يخبر تعالى عن خروج عبده، ورسوله، وكليمه من مصر خائفًا يترقب، أي: يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها.
{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي: اتجه له طريق يذهب فيه.
{ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود. وكذا وقع أو صلته إلى مقصود، وأي مقصود.
{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } وكانت بئرًا يستقون منها. ومدين هي: المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب عليه السلام. وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء.
{ وَلَمَّا وَرَدَ } الماء المذكور.
{ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } أي: تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس.
وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضًا من الغلط، وكأنه كنَّ سبعًا ولكن إنما كان تسقي اثنتان منهن، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظًا، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان.
{ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } أي: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره. قال الله تعالى: { فَسَقَى لَهُمَا }.
قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فتجىء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر، كما كان.
قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة رجال، وإنما استقى ذنوبًا واحدًا فكفاهما.
{ ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } قالوا: وكان ظل شجرة من السمر. روى ابن جرير، عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف.
{ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل، وورق الشجر، وكان حافيًا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة.
قال عطاء بن السائب: لما { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } أسمع المرأة.
{ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } {{مردخ|القصص: 25-28}}.
لما جلس موسى عليه السلام في الظل، و { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } سمعته المرأتان فيما قيل، فذهبتا إلى أبيهما، فيقال: إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } أي: مشي الحراير { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } صرحت له بهذا، لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها.
{ فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر، فرارًا من فرعونها، قال له ذلك الشيخ: { لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل هو: شعيب عليه السلام، وهذا هو المشهور عند كثيرين، وممن نصَّ عليه الحسن البصري، ومالك بن أنس، وجاء مصرحًا به في حديث، ولكن في إسناده نظر.
وصرَّح طائفة بأن شعيبًا عليه السلام عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه، حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا اسمه: شعيب. وكان سيد الماء، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين.
وقيل: إنه ابن أخي شعيب.
وقيل: ابن عمه.
وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب.
وقيل: رجل اسمه يثرون، هكذا هو في كتب أهل الكتاب، يثرون: كاهن مدين، أي: كبيرها، وعالمها.
قال ابن عباس، وأبو عبيدة بن عبد الله: اسمه يثرون، زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب، زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه، وأكرم مثواه، وقصَّ عليه ما كان من أمره، بشَّره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: { يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي: لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين.
قال عمرو ابن عباس، وشريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لما قالت ذلك قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟
فقالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلف الطريق فاقذفي لي بحصاة، أعلم بها كيف الطريق.
قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.
{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين، أو الثوبين، ونحو ذلك أنه يصح لقوله: إحدى ابنتي هاتين، وفي هذا نظر لأن هذه مراوضة لا معاقدة، والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الإيجار بالطعمة، والكسوة، كما جرت به العادة، واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجه في (سننه) مترجمًا عليه في كتابه: باب إستئجار الأجير على طعام بطنه.
حدثنا محمد بن الصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، قال: سمعت عتبة بن الدر يقول: كنا عند رسول الله {{صل}} فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى، قال:
« إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشرة على عفة فرجه، وطعام بطنه ».
وهذا من هذا الوجه لا يصح، لأن مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي، ضعيف عند الأئمة، لا يحتج بتفرده.
ولكن قد روي من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحار ث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، قال:
سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله {{صل}} يحدث أن رسول الله {{صل}} قال:
« إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه ».
ثم قال تعالى: { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة، أي الأجلين قضى موسى؟
فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فاسأله.
فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما، وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير، عن أحمد بن محمد الطوسي، وابن أبي حاتم، عن أبيه كلاهما، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله {{صل}} قال:
« سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أتمهما وأكملهما ».
وإبراهيم هذا غير معروف، إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي {{صل}} فذكره.
وقد رواه سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلًا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل، فسأل جبريل إسرافيل، فسأل إسرافيل الرب عز وجل، فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم، من حديث يوسف بن سرح مرسلًا، ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب، أن رسول الله {{صل}} سُئل أي الأجلين قضى موسى.
قال: « أوفاهما، وأتمهما ».
وقد رواه البزار، وابن أبي حاتم، من حديث عويد بن أبي عمران الجوني - وهو ضعيف - عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر أن رسول الله {{صل}} سئل أي الأجلين قضى موسى، قال:
« أوفاهما، وأبرهما ».
قال: « وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما ».
وقد رواه البزار، وابن أبي حاتم، من طريق عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح، عن عتبة بن النذر أن رسول الله قال:
« إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعام بطنه ».
فلما وفى الأجل، قيل يا رسول الله: أي الأجلين؟
قال: « أبرهما وأوفاهما ».
فلما أراد فراق شعيب، سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه، من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سودًا حسانًا.
فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض، فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة، قال: فاتمئت، وآنثت، ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا عزوز، ولا ثعول، ولا كموش، تفوت الكف.
قال النبي {{صل}}: « لو اقتحمتم الشام، وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ».
قال ابن لهيعة: الفشوش: واسعة السخب. والضبوب: طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة السخب، والثعول: الصغيرة الضرع، كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره.
وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، وقد يكون موقوفًا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، قال:
لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها، فعمد فوضع خيالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهن بلقًا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام، وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان، أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقًا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام، فالله أعلم.
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } {{مردخ|القصص: 29-32}}.
تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ } وعن مجاهد أنه أكمل عشرًا وعشرًا بعدها. وقوله: { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } أي: من عند صهره ذاهبًا فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم، أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم، وغنم قد استفادها مدة مقامه.
قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يوري زناده فلا يرى شيئًا، واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارًا تأجج في جانب الطور، وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لأهله: { امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } وكأنه - والله أعلم - رآها دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد.
{ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } أي: لعلي أستعلم من عندها عن الطريق.
{ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الأخرى: { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } {{مردخ|طه: 9-10}}.
فدل على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق، وجمع الكل في سورة النمل في قوله: { قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } {{مردخ|النمل: 7}}.
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدى وأي هدى، واقتبس منها نورًا وأي نور. قال الله تعالى: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|القصص: 30}}.
وقال في النمل: { فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|النمل: 8}} أي: سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
{ يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } {{مردخ|النمل: 9}}
وقال في سورة طه: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى } {{مردخ|طه: 11-16}}.
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها، فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج، وكل ما لتلك النار في اضطرام، وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد، فوقف متعجبًا، وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه.
كما قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } {{مردخ|القصص: 44}}. وكان موسى في واد اسمه: طوى، فكان موسى مستقبل القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب، فناداه ربه بالواد المقدس طوى، فأمر أولًا بخلع نعليه تعظيمًا وتكريمًا وتوقيرًا لتلك البقعة المباركة، ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب: أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور، مهابة له وخوفًا على بصره، ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلًا له: { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|القصص: 30}} { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } {{مردخ|طه: 14}}.
أي: أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له، ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } أي: من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها، ومجانبة من لا يؤمن بها، ممن عصى مولاه واتبع هواه. ثم قال له مخاطبًا ومؤانسًا ومبينًا له أنه القادر على كل شيء، الذي يقول للشيء كن فيكون. { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى } {{مردخ|طه: 17}} أي: أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها؟
{ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } {{مردخ|طه: 18}} أي: بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها.
{ قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } {{مردخ|طه: 19-20}} وهذا خارق عظيم، وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب: أنه سأل برهانًا على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عز وجل: ما هذه التي في يدك؟
قال: عصاي. قال: ألقها إلى الأرض.
{ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } {{مردخ|طه: 20}} فهرب موسى من قدامها، فأمره الرب عز وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } {{مردخ|النمل: 10}} أي: قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة، وأنياب تصك، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان، وهو ضرب من الحيات.
يقال: الجان والجنان، وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدًا. فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة، فلما عاينها موسى عليه السلام { وَلَّى مُدْبِرًَا } أي: هاربًا منها لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك. { وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي: ولم يلتفت، فناداه ربه قائلًا له: { يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ } {{مردخ|القصص: 21}}.
فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها، { قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى } {{مردخ|طه: 21}} فيقال: إنه هابها شديدًا فوضع يده في كم مدرعته، ثم وضع يده في وسط فمها.
وعند أهل الكتاب بذنبها، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين والمغربين.
ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا من غير سوء أي: من غير برص ولا بهق، ولهذا قال: { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } قيل: معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصًا به، إلا أن بركة الإيمان به حق، بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء.
وقال في سورة النمل: { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } {{مردخ|النمل: 12}} أي: هاتان الآيتان: وهما العصا واليد، وهما البرهانان المشار إليهما في قوله: { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }.
ومع ذلك سبع آيات أخر، فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان، حيث يقول تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } {{مردخ|الإسراء: 101-102}}.
وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ } {{مردخ|130-133}}.
كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه، وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات، فإن التسع: من كلمات الله القدرية، والعشر: من كلماته الشرعية. وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة، فظن أن هذه هي هذه، كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } {{مردخ|القصص: 33-35}}.
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله، وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عز وجل، حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فرارًا من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي، ولهذا { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } أي: اجعله معي معينًا، وردءًا ووزيرًا يساعدني، ويعينني على أداء رسالتك إليهم، فإنه أفصح مني لسانًا وأبلغ بيانًا.
قال الله تعالى مجيبًا له إلى سؤاله: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } أي: برهانًا. { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } أي: فلا ينالون منكما مكروهًا بسبب قيامكما بآياتنا. وقيل: ببركة آياتنا.
{ أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } وقال في سورة طه: { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } {{مردخ|طه: 24-28}}.
قيل: إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت: إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه، فهم بأخذ التمرة، فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها، فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقية، ولهذا قال فرعون - قبحه الله - فيما زعم إنه يعيب به الكليم، { وَلَا يَكَادُ يُبِيْنُ } {{مردخ|الزخرف: 52}} أي: يفصح عن مراده، ويعبر عما في ضميره وفؤاده.
ثم قال موسى عليه السلام: { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى } {{مردخ|طه: 32-36}} أي: قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت، وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل، حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم. قال الله تعالى: { وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيْهًا } {{مردخ|الأحزاب: 69}}.
وقال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } {{مردخ|مريم: 53}}.
وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلًا يقول لأناس وهم سائرون طريق الحج: أي أخ أمن على أخيه؟
فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون.
فأوحى إليه قال الله تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا }.
قال تعالى في سورة الشعراء: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } {{مردخ|الشعراء: 10-19}}.
تقدير الكلام: فأتياه فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤوا، ويتفرغون لتوحيده ودعائه، والتضرع لديه، فتكبر فرعون في نفسه، وعتا وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلًا له:
{ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } أي: أما أنت الذي ربيناه في منزلنا، وأحسنّا إليه، وأنعمنا عليه مدة من الدهر. وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فرّ منه، خلافًا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فرّ منه مات في مدة مقامه بمدين، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله: { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } أي: وقتلت الرجل القبطي، وفررت منا وجحدت نعمتنا.
{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } {{مردخ|الشعراء: 20}} أي: قبل أن يوحى إلي وينزل علي.
{ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ } {{مردخ|الشعراء: 21}} ثم قال مجيبًا لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } {{مردخ|الشعراء: 22}} أي: وهذه النعمة التي ذكرت، من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل، تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك.
{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } {{مردخ|الشعراء: 23-28}}.
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية، وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى، وزعم أنه الإله { فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } {{مردخ|النازعات: 23-24}}.
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } {{مردخ|القصص: 38}} وهو في هذه المقالة معاند، يعلم أنه عبد مربوب، وأن الله هو الخالق البارىء المصور الإله الحق، كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } {{مردخ|النمل: 14}}.
ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته، والإظهار أنه ما ثم رب أرسله: { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } لأنهما قالا له: { إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثتكما؟
فأجابه موسى قائلًا: { رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } يعني: رب العالمين، خالق هذه السموات والأرض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتعددة من السحاب، والرياح، والمطر، والنبات، والحيوانات، التي يسلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولا بدلها من موجد، ومحدث وخالق، وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
قال أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه، على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام: { أَلَا تَسْتَمِعُونَ } يعني: كلامه هذا. قال موسى مخاطبًا له ولهم: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ }.
أي: هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد، والقرون السالفة في الآباد، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه، ولم يحدث من غير محدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين، وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } {{مردخ|فصلت: 53}}.
ومع هذا كله، لم يستفق فرعون من رقدته، ولا نزع عن ضلالته، بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه { قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } {{مردخ|الشعراء: 27-28}}
أي: هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة، المسير للأفلاك الدائرة، خالق الظلام والضياء، ورب الأرض والسماء، رب الأولين والآخرين، خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة، والثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وفلك يسبحون، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون، وانقطعت شبهه، ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } {{مردخ|الشعراء: 29-33}}.
وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما، وهما: العصا واليد، وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذي بهر به العقول والأبصار، حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أي: عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر.
حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد، وخوف عظيم، بحيث أنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يومًا إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال.
وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه واستخرجها رجعت إلى صفتها الأولى، ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشيء من ذلك.
بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته، ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين، والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه: { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى* قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } {{مردخ|طه: 40-46}}.
يقول تعالى مخاطبًا لموسى فيما كلّمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدًا لك وأنت في دار فرعون، وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين، بمشيئتي وقدرتي وتدبيري، فلبثت فيها سنين.
{ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى } أي: مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري.
{ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } أي: اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي.
{ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي } يعني: ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه، ووفدتما إليه فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته، وإهداء النصيحة إليه، وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الأحاديث يقول الله تعالى:
« إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه ». وقال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا..... } الآية {{مردخ|الأنفال: 45}}.
ثم قال تعالى: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } وهذا من حلمه تعالى وكرمه، ورأفته ورحمته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره، وهو إذ ذاك أردى خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين، ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى، كما قال لرسوله: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } {{مردخ|النحل: 125}}.
وقال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.... } الآية {{مردخ|العنكبوت: 46}}.
قال الحسن البصري: { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } أعذرا إليه قولًا له إن لك ربًا ولك معادًا، وإن بين يديك جنة ونارًا.
وقال وهب بن منبه: قولا له إني لي العفو والمغفرة، أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.
قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه!
{ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى } {{مردخ|طه: 45}} وذلك أن فرعون كان جبارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا، له سلطان في بلاد مصر طويل عريض، وجاه وجنود وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشرية، وخافا أن يسطو عليهما في بادىء الأمر، فثبتهما تعالى وهو العلي الأعلى فقال: { لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } {{مردخ|طه: 46}}.
كما قال في الآية الأخرى: { إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } {{مردخ|الشعراء: 15}} { فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } {{مردخ|طه: 47-48}}.
يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون، فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبده وحده لا شريك له، وأن يرسل معهم بني إسرائيل، ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم. { قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ } {{مردخ|طه: 47}} وهو البرهان العظيم في العصى واليد.
{ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } تقيد مفيد بليغ عظيم، ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا: { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } أي: كذب بالحق بقلبه، وتولى عن العمل بقالبه.
وقد ذكر السدي وغيره: أنه لما قدم من بلاد مدين، دخل على أمه وأخيه هرون وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل - وهو اللفت - فأكل معهما، ثم قال: يا هرون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق.
فقال موسى للبوابين والحجبة: أعلموه أن رسول الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به.
وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل.
وقال محمد بن إسحاق: أذن لهما بعد سنتين؛ لأنه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما، فالله أعلم.
ويقال: إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون وأمر بإحضارهما، فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما.
وعند أهل الكتاب أن الله قال لموسى عليه السلام: إن هرون اللاوي، يعني من نسل لاوي بن يعقوب، سيخرج ويتلقاك، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يظهر ما أتاه من الآيات، وقال له: سأقسي قلبه فلا يرسل الشعب، وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر.
وأوحى الله إلى هرون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب، فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه، فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل، وذهبا إلى فرعون، فلما بلغاه رسالة الله قال: من هو الله لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل؟
وقال الله مخبرًا عن فرعون: { قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } {{مردخ|طه: 49-55}}.
يقول تعالى مخبرًا عن فرعون إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلًا: { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } أي: هو الذي خلق الخلق، وقدَّر لهم أعمالًا وأرزاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له، فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه، لكمال علمه وقدرته وقدره، وهذه الآية كقوله تعالى: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } {{مردخ|الأعلى: 1-3}} أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه.
{ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى } يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق، المقدر، الهادي الخلائق لما قدره، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه، فلم عبد الأولون غيره، وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى؟
{ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } أي: هم وإن عبدوا غيره، فليس ذلك بحجة لك، ولا يدل على خلاف ما أقول، لأنهم جهلة مثلك، كل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر، من صغير وكبير، وسيجزيهم على ذلك ربي عز وجل، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرة.
لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده، في كتاب لا يضل عنه شيء، ولا ينسى ربي شيئًا، ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء، وجعله الأرض مهادًا، والسماء سقفًا محفوظًا، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد، ودوابهم، وأنعامهم، كما قال: { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى } {{مردخ|طه: 54}} أي: لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفطر القويمة غير السقيمة، فهو تعالى الخالق الرزاق.
وكما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } {{مردخ|البقرة: 21-22}}.
ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه، نبه به على المعاد، فقال: { مِنْهَا } أي: من الأرض خلقناكم { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى }.
كما قال تعالى: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } {{مردخ|الأعراف: 29}}.
وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } {{مردخ|الروم: 27}}.
ثم قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } {{مردخ|طه: 56-59}}.
يخبر تعالى عن شقاء فرعون، وكثرة جهله، وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتباعها، وقوله لموسى إن هذا الذي جئت به سحر، ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم، ومكان معلوم، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام، أن يظهر آيات الله، وحججه، وبراهينه جهرة، بحضرة الناس، ولهذا قال: { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } وكان يوم عيد من أعيادهم، ومجتمع لهم.
{ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } أي: من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس، فيكون الحق أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلام، كيما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرة، لأنه على بصيرة من ربه ويقين، أن الله سيظهر كلمته ودينه، وإن رغمت أنوف القبط.
قال الله تعالى: { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } {{مردخ|طه: 60-64}}.
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء، في فنهم غاية، فجمعوا له من كل بلد، ومن كل مكان، فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير.
فقيل: كانوا ثمانين ألفًا، قاله محمد بن كعب.
وقيل: سبعين ألفًا قاله القاسم بن أبي بردة.
وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفًا.
وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفًا.
وقال محمد بن إسحاق: خمسة عشر ألفًا.
وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلًا، وروي عنه أيضًا: أنهم كانوا أربعين غلامًا من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء، فيتعلموا السحر ولهذا قالوا: وما أكرهتنا عليه من السحر، وفي هذا نظر.
وحضر فرعون وأمراؤه، وأهل دولته، وأهل بلده عن بكرة أبيهم، وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } {{مردخ|الشعراء: 40}}.
وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة، فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل، الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه، فقال: { لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ... } {{مردخ|طه: 61-62}} قيل: معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم، فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر فالله أعلم، وأسروا التناجي بهذا وغيره.
{ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا } يقولون: إن هذا وأخاه هرون ساحران، عليمان، مطبقان، متقنان لهذه الصناعة، ومرادهم أن يجتمع الناس عليهما، ويصولا على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمرا عليكم بهذه الصناعة.
{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } وإنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا، ويتواصوا، ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة، والمكر، والخديعة، والسحر، والبهتان، وهيهات كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء أنى يعارض البهتان والسحر والهذيان، خوارق العادات التي أجراها الديان، على يدي عبده الكليم، ورسوله الكريم، المؤيد بالبرهان، الذي يبهر الأبصار، وتحار فيه العقول والأذهان.
وقولهم: { فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } أي: جميع ما عندكم.
{ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } أي: جملة واحدة، ثم حضوا بعضهم بعضًا على التقدم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.
{ قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } {{مردخ|طه: 65-69}}.
لما اصطف السحرة، ووقف موسى وهرون عليهما السلام تجاههم، قالوا له: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك، { قَالَ بَلْ أَلْقُوا } أنتم وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصي، فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا، يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب ذلك، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون: { بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } {{مردخ|الشعراء: 44}}.
قال الله تعالى: { قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } {{مردخ|الأعراف: 116}}.
وقال تعالى: { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يلقي ما في يده، فإنه لا يضع شيئًا قبل أن يؤمر، فأوحى الله إليه في الساعة الراهنة: { تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: { مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } {{مردخ|يونس: 81-82}}.
وقال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } {{مردخ|الأعراف: 117-122}}.
وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها صارت حية عظيمة ذات قوائم، فيما ذكره غير واحد من علماء السلف، وعنق عظيم، وشكل هائل مزعج، بحيث أن الناس انحازوا منها، وهربوا سراعًا، وتأخروا عن مكانها، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي، فجعلت تلقفه واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها.
وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم، واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم، ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم، أن هذا ليس بسحر ولا شعبذة، ولا محال، ولا خيال، ولا زور، ولا بهتان، ولا ضلال، بل حق لا يقدر عليه إلا الحق الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق.
وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهدى، وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربهم، وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى: آمنا برب موسى وهرون.
كما قال تعالى: { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } {{مردخ|طه: 70-76}}.
قال سعيد بن جبير، وعكرمة، والقاسم بن أبي بردة، والأوزاعي وغيرهم: لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة، تهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون، وتهديده، ووعيده.
وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا، وأشهروا ذكروا موسى وهرون في الناس على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمرًا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع، وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله فقال مخاطبًا للسحرة بحضرة الناس: { آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } {{مردخ|الأعراف: 123}}.
أي: هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي، ثم تهدد وتوعد وابرق وارعد وكذب فأبعد قائلًا: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ }. وقال في الآية الأخرى: {...إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } {{مردخ|الأعراف: 123}}.
وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان، بل لا يروج مثله على الصبيان، فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يومًا من الدهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر.
ثم هو لم يجمعهم، ولا علم باجتماعهم، حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم، واجتباهم من كل فج عميق، وواد سحيق، ومن حواضر بلاد مصر، والأطراف ومن المدن والأرياف.
قال الله تعالى في سورة الأعراف:
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } {{مردخ|الأعراف: 103-126}}.
وقال تعالى في سورة يونس:
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } {{مردخ|يونس: 75-82}}.
وقال تعالى في سورة الشعراء: { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } {{مردخ|الشعراء: 29-51}}.
والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } وأتى ببهتان يعلمه العالمون، بل العالمون في قوله: { لَكُمْ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }.
وقوله: { لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ }: يعني يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه. { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } أي: ليجعلهم مثلة ونكالًا، لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل ملته، ولهذا قال: { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أي: على جذوع النخل لأنها أعلى وأشهر.
{ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } يعني: في الدنيا.
{ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } أي: لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات.
{ وَالَّذِي فَطَرَنَا } قيل: معطوف، وقيل: قسم.
{ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } أي: فافعل ما قدرت عليه. { إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله.
{ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب.
وأبقى أي: وأدوم من هذه الدار الفانية.
وفي الآية الأخرى: { قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا } أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم. { أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: من القبط، بموسى وهرون عليهما السلام.
وقالوا له أيضًا: { وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } أي: ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا، واتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا.
{ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي: ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد. { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ }.
وقالوا أيضًا يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم: { إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى } يقولون له: فإياك أن تكون منهم فكان منهم.
{ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى } أي: المنازل العالية.
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } فاحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع، وحكم العلي العظيم بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم ليباشر العذاب الأليم؛ يصب من فوق رأسه الحميم.
ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح المنبوح، والذميم اللئيم: { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } {{مردخ|الدخان: 49}}.
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون - لعنه الله - صلبهم وعذبهم رضي الله عنهم.
قال عبد الله بن عباس، وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة، ويؤيد هذا قولهم: { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِيْنَ }
{{هامش محدود}}
{{البداية والنهاية/الجزء الأول}}
[[تصنيف:البداية والنهاية:الجزء الأول|{{صفحة فرعية}}]]
9c8cn86uaye7zx0jslsj49tbxr03f6n
607857
607856
2026-04-21T21:02:36Z
~2026-24532-00
72009
607857
wikitext
text/x-wiki
{{TextQuality|75%}}{{مركزية
|عنوان= [[البداية والنهاية/الجزء الأول|البداية والنهاية - الجزء الأول]]
|مؤلف= ابن كثير
|باب=
|سابق= → [[البداية والنهاية/الجزء الأول/فضل يونس|فضل يونس]]
|لاحق= [[البداية والنهاية/الجزء الأول/فصل|فصل]] ←
|ملاحظات= قصة موسى الكليم
}}
{{نثر}}
وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } {{مردخ|مريم: 51-53}} وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن، وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة، وغير مطولة، وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير، وسنورد سيرته ههنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة، وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات، التي ذكرها السلف وغيرهم، إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } {{مردخ|القصص: 1-6}}.
يذكر تعالى ملخص القصة، ثم يبسطها بعد هذا فذكر: أنه يتلو على نبيه خبر موسى، وفرعون بالحق أي: بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له.
{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } أي: تجبر وعتا وطغى، وبغى وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى، وجعل أهلها شيعًا أي: قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع.
{ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } وهم: شعب بني إسرائيل، الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض، وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر، الفاجر، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف، وأردئها وأدناها.
ومع هذا { يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح: أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه سيخرج من ذريته غلام، يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها.
وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرًا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي، عن أبي صالح، وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان.
ولهذا قال الله تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ } وهم: بنو إسرائيل.
{ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } أي: الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم.
{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } أي: سنجعل الضعيف قويًا، والمقهور قادرًا، والذليل عزيزًا، وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل، كما قال تعالى: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا... } الآية {{مردخ|الأعراف: 137}}.
وقال تعالى: { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } {{مردخ|الشعراء: 57-59}}. وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود: أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى، حتى جعل رجالًا وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته.
وعند أهل الكتاب: أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بني إسرائيل، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم. وهذا فيه نظر، بل هو باطل، وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم } ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: { أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا }.
فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولًا، حذرًا من وجود موسى. هذا والقدر يقول: يا أيها ذا الملك الجبار، المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتساع سلطانه، قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا يخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتعداه، ولا تطلع على سر معناه.
ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك، على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما أوحى إليه، لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد، ذو البأس العظيم، والحول والقوة والمشيئة، التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل، بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار، فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعون بقتل الأبناء عامًا، وأن يتركوا عامًا.
فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت أمه به ذرعًا، واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت ألهمت، أن اتخذت له تابوتًا، فربطته في حبل، وكانت دارهما متاخمة للنيل، فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.
قال الله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } {{مردخ|القصص: 7-9}}.
هذا الوحي: وحي إلهام وإرشاد، كما قال تعالى: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا.. } الآية {{مردخ|النحل: 68-69}} وليس هو بوحي نبوة، كما زعمه ابن حزم، وغير واحد من المتكلمين؛ بل الصحيح الأول، كما حكاه أبو الحسن الأشعري، عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي: واسم أم موسى أيارخا، وقيل: أياذخت.
والمقصود: أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقي في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك، وإن الله سيجعله نبيًا مرسلًا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به، فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها، فذهب مع النيل فمر على دار فرعون { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ }.
قال الله تعالى: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقًا بقوله: { فَالْتَقَطَهُ } وأما إن جعل متعلقًا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم.
ويقوي هذا التقدير الثاني قوله: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } {{مردخ|القصص: 8}} وهو الوزير السوء { وَجُنُودَهُمَا } المتابعين لهما { كَانُوا خَاطِئِينَ } أي: كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرون على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون: آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل: إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل: بل كانت عمته، حكاه السهيلي، فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران، وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَم في الجنة.
فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه، أحبته حبًا شديدًا جدًا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه. فاستوهبته منه ودفعت عنه { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ } فقال لها فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا. أي: لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها: { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا } {{مردخ|القصص: 9}} وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه.
{ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } وذلك أنهما تبنياه؛ لأنه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى: { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم، حين قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده، وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى دربتة ابنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عز وجل.
{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } {{مردخ|القصص: 10-13}}.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا } أي: من كل شيء من أمور الدنيا، إلا من موسى.
{ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أي: لتظهر أمره، وتسأل عنه جهرة.
{ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } أي: صبرناها وثبتناها { لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }.
{ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ } وهي ابنتها الكبيرة، قصيه أي: اتبعي أثره، واطلبي له خبره { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } قال مجاهد: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده، ولهذا قال: { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة، فلم يقبل ثديًا ولا أخذ طعامًا، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى: { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق، لعل يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه، إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ }.
قال ابن عباس: لما قالت ذلك، قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقهم عليه؟.
فقالت: رغبة في صهر الملك، ورجاء منفعته، فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها، وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا.
وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها، وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلًا وأولادًا، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها، ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات و الكساوي والهبات، فرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } أي: كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته.
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال له: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } {{مردخ|طه: 37-39}}.
إذ قال قتادة، وغير واحد من السلف أي: تطعم، وترفه، وتغذى بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس، بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك، فيما صنعت بك لك، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري.
{ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } {{مردخ|طه: 40}} وسنورد حديث الفتون في موضعه، بعد هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ } {{مردخ|القصص: 14-17}}.
لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها، واحسانه بذلك، وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، وهو احتكام الخلق والخلق - وهو سن الأربعين - في قول الأكثرين، آتاه الله حكمًا وعلمًا، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال: { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }.
ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به، كما سيأتي.
قال تعالى: { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والسدي: وذلك نصف النهار.
وعن ابن عباس: بين العشائين.
{ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ } أي: يتضاربان ويتهاوشان.
{ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ } أي: إسرائيلي.
{ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } أي: قبطي. قاله: ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق.
{ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له، وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله أي: من الرضاعة.
فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي، أقبل إليه موسى { فَوَكَزَهُ } قال مجاهد أي: طعنه بجمع كفه.
وقال قتادة: بعصا كانت معه.
{ فَقَضَى عَلَيْهِ } أي: فمات منها. وقد كان ذلك القبطي كافرًا مشركًا بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه ومع هذا { قَالَ } موسى { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } أي: من العز والجاه { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ }.
{ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } {{مردخ|القصص: 18-21}}.
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفًا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، ويترتب على ذلك أمر عظيم، فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم { خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: يلتفت.
فبينما هو كذلك، إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه أي: يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ }.
ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك، وأقبل على القبطي { قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ }.
قال بعضهم: إنما قال هذا الكلام: الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس، وكأنه لما رأى موسى مقبلًا إلى القبطي، اعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } فقال ما قال لموسى، وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي، وأنه لما رآه مقبلًا إليه خافه، ورأى من سجيته انتصارًا جيدًا للإسرائيلي، فقال ما قال من باب الظن والفراسة: إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس، أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا، والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس، فأرسل في طلبه، وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ } ساعيًا إليه مشفقًا عليه فقال: { قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ } أي: من هذه البلدة { إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } أي: فيما أقوله لك.
قال الله تعالى: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلًا:
{ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } {{مردخ|القصص: 21-24}}.
يخبر تعالى عن خروج عبده، ورسوله، وكليمه من مصر خائفًا يترقب، أي: يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها.
{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي: اتجه له طريق يذهب فيه.
{ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود. وكذا وقع أو صلته إلى مقصود، وأي مقصود.
{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } وكانت بئرًا يستقون منها. ومدين هي: المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب عليه السلام. وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء.
{ وَلَمَّا وَرَدَ } الماء المذكور.
{ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } أي: تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس.
وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضًا من الغلط، وكأنه كنَّ سبعًا ولكن إنما كان تسقي اثنتان منهن، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظًا، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان.
{ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } أي: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره. قال الله تعالى: { فَسَقَى لَهُمَا }.
قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فتجىء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر، كما كان.
قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة رجال، وإنما استقى ذنوبًا واحدًا فكفاهما.
{ ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } قالوا: وكان ظل شجرة من السمر. روى ابن جرير، عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف.
{ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل، وورق الشجر، وكان حافيًا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة.
قال عطاء بن السائب: لما { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } أسمع المرأة.
{ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } {{مردخ|القصص: 25-28}}.
لما جلس موسى عليه السلام في الظل، و { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } سمعته المرأتان فيما قيل، فذهبتا إلى أبيهما، فيقال: إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } أي: مشي الحراير { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } صرحت له بهذا، لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها.
{ فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر، فرارًا من فرعونها، قال له ذلك الشيخ: { لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل هو: شعيب عليه السلام، وهذا هو المشهور عند كثيرين، وممن نصَّ عليه الحسن البصري، ومالك بن أنس، وجاء مصرحًا به في حديث، ولكن في إسناده نظر.
وصرَّح طائفة بأن شعيبًا عليه السلام عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه، حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا اسمه: شعيب. وكان سيد الماء، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين.
وقيل: إنه ابن أخي شعيب.
وقيل: ابن عمه.
وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب.
وقيل: رجل اسمه يثرون، هكذا هو في كتب أهل الكتاب، يثرون: كاهن مدين، أي: كبيرها، وعالمها.
قال ابن عباس، وأبو عبيدة بن عبد الله: اسمه يثرون، زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب، زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه، وأكرم مثواه، وقصَّ عليه ما كان من أمره، بشَّره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: { يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي: لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين.
قال عمرو ابن عباس، وشريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لما قالت ذلك قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟
فقالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلف الطريق فاقذفي لي بحصاة، أعلم بها كيف الطريق.
قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.
{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين، أو الثوبين، ونحو ذلك أنه يصح لقوله: إحدى ابنتي هاتين، وفي هذا نظر لأن هذه مراوضة لا معاقدة، والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الإيجار بالطعمة، والكسوة، كما جرت به العادة، واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجه في (سننه) مترجمًا عليه في كتابه: باب إستئجار الأجير على طعام بطنه.
حدثنا محمد بن الصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، قال: سمعت عتبة بن الدر يقول: كنا عند رسول الله {{صل}} فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى، قال:
« إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشرة على عفة فرجه، وطعام بطنه ».
وهذا من هذا الوجه لا يصح، لأن مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي، ضعيف عند الأئمة، لا يحتج بتفرده.
ولكن قد روي من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحار ث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، قال:
سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله {{صل}} يحدث أن رسول الله {{صل}} قال:
« إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه ».
ثم قال تعالى: { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة، أي الأجلين قضى موسى؟
فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فاسأله.
فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما، وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير، عن أحمد بن محمد الطوسي، وابن أبي حاتم، عن أبيه كلاهما، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله {{صل}} قال:
« سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أتمهما وأكملهما ».
وإبراهيم هذا غير معروف، إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي {{صل}} فذكره.
وقد رواه سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلًا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل، فسأل جبريل إسرافيل، فسأل إسرافيل الرب عز وجل، فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم، من حديث يوسف بن سرح مرسلًا، ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب، أن رسول الله {{صل}} سُئل أي الأجلين قضى موسى.
قال: « أوفاهما، وأتمهما ».
وقد رواه البزار، وابن أبي حاتم، من حديث عويد بن أبي عمران الجوني - وهو ضعيف - عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر أن رسول الله {{صل}} سئل أي الأجلين قضى موسى، قال:
« أوفاهما، وأبرهما ».
قال: « وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما ».
وقد رواه البزار، وابن أبي حاتم، من طريق عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح، عن عتبة بن النذر أن رسول الله قال:
« إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعام بطنه ».
فلما وفى الأجل، قيل يا رسول الله: أي الأجلين؟
قال: « أبرهما وأوفاهما ».
فلما أراد فراق شعيب، سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه، من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سودًا حسانًا.
فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض، فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة، قال: فاتمئت، وآنثت، ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا عزوز، ولا ثعول، ولا كموش، تفوت الكف.
قال النبي {{صل}}: « لو اقتحمتم الشام، وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ».
قال ابن لهيعة: الفشوش: واسعة السخب. والضبوب: طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة السخب، والثعول: الصغيرة الضرع، كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره.
وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، وقد يكون موقوفًا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، قال:
لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها، فعمد فوضع خيالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهن بلقًا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام، وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان، أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقًا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام، فالله أعلم.
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } {{مردخ|القصص: 29-32}}.
تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ } وعن مجاهد أنه أكمل عشرًا وعشرًا بعدها. وقوله: { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } أي: من عند صهره ذاهبًا فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم، أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم، وغنم قد استفادها مدة مقامه.
قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يوري زناده فلا يرى شيئًا، واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارًا تأجج في جانب الطور، وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لأهله: { امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } وكأنه - والله أعلم - رآها دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد.
{ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } أي: لعلي أستعلم من عندها عن الطريق.
{ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الأخرى: { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } {{مردخ|طه: 9-10}}.
فدل على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق، وجمع الكل في سورة النمل في قوله: { قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } {{مردخ|النمل: 7}}.
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدى وأي هدى، واقتبس منها نورًا وأي نور. قال الله تعالى: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|القصص: 30}}.
وقال في النمل: { فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|النمل: 8}} أي: سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
{ يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } {{مردخ|النمل: 9}}
وقال في سورة طه: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى } {{مردخ|طه: 11-16}}.
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها، فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج، وكل ما لتلك النار في اضطرام، وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد، فوقف متعجبًا، وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه.
كما قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } {{مردخ|القصص: 44}}. وكان موسى في واد اسمه: طوى، فكان موسى مستقبل القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب، فناداه ربه بالواد المقدس طوى، فأمر أولًا بخلع نعليه تعظيمًا وتكريمًا وتوقيرًا لتلك البقعة المباركة، ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب: أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور، مهابة له وخوفًا على بصره، ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلًا له: { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|القصص: 30}} { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } {{مردخ|طه: 14}}.
أي: أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له، ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } أي: من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها، ومجانبة من لا يؤمن بها، ممن عصى مولاه واتبع هواه. ثم قال له مخاطبًا ومؤانسًا ومبينًا له أنه القادر على كل شيء، الذي يقول للشيء كن فيكون. { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى } {{مردخ|طه: 17}} أي: أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها؟
{ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } {{مردخ|طه: 18}} أي: بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها.
{ قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } {{مردخ|طه: 19-20}} وهذا خارق عظيم، وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب: أنه سأل برهانًا على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عز وجل: ما هذه التي في يدك؟
قال: عصاي. قال: ألقها إلى الأرض.
{ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } {{مردخ|طه: 20}} فهرب موسى من قدامها، فأمره الرب عز وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } {{مردخ|النمل: 10}} أي: قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة، وأنياب تصك، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان، وهو ضرب من الحيات.
يقال: الجان والجنان، وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدًا. فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة، فلما عاينها موسى عليه السلام { وَلَّى مُدْبِرًَا } أي: هاربًا منها لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك. { وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي: ولم يلتفت، فناداه ربه قائلًا له: { يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ } {{مردخ|القصص: 21}}.
فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها، { قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى } {{مردخ|طه: 21}} فيقال: إنه هابها شديدًا فوضع يده في كم مدرعته، ثم وضع يده في وسط فمها.
وعند أهل الكتاب بذنبها، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين والمغربين.
ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا من غير سوء أي: من غير برص ولا بهق، ولهذا قال: { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } قيل: معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصًا به، إلا أن بركة الإيمان به حق، بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء.
وقال في سورة النمل: { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } {{مردخ|النمل: 12}} أي: هاتان الآيتان: وهما العصا واليد، وهما البرهانان المشار إليهما في قوله: { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }.
ومع ذلك سبع آيات أخر، فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان، حيث يقول تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } {{مردخ|الإسراء: 101-102}}.
وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ } {{مردخ|130-133}}.
كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه، وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات، فإن التسع: من كلمات الله القدرية، والعشر: من كلماته الشرعية. وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة، فظن أن هذه هي هذه، كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } {{مردخ|القصص: 33-35}}.
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله، وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عز وجل، حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فرارًا من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي، ولهذا { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } أي: اجعله معي معينًا، وردءًا ووزيرًا يساعدني، ويعينني على أداء رسالتك إليهم، فإنه أفصح مني لسانًا وأبلغ بيانًا.
قال الله تعالى مجيبًا له إلى سؤاله: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } أي: برهانًا. { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } أي: فلا ينالون منكما مكروهًا بسبب قيامكما بآياتنا. وقيل: ببركة آياتنا.
{ أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } وقال في سورة طه: { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } {{مردخ|طه: 24-28}}.
قيل: إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت: إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه، فهم بأخذ التمرة، فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها، فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقية، ولهذا قال فرعون - قبحه الله - فيما زعم إنه يعيب به الكليم، { وَلَا يَكَادُ يُبِيْنُ } {{مردخ|الزخرف: 52}} أي: يفصح عن مراده، ويعبر عما في ضميره وفؤاده.
ثم قال موسى عليه السلام: { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى } {{مردخ|طه: 32-36}} أي: قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت، وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل، حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم. قال الله تعالى: { وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيْهًا } {{مردخ|الأحزاب: 69}}.
وقال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } {{مردخ|مريم: 53}}.
وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلًا يقول لأناس وهم سائرون طريق الحج: أي أخ أمن على أخيه؟
فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون.
فأوحى إليه قال الله تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا }.
قال تعالى في سورة الشعراء: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } {{مردخ|الشعراء: 10-19}}.
تقدير الكلام: فأتياه فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤوا، ويتفرغون لتوحيده ودعائه، والتضرع لديه، فتكبر فرعون في نفسه، وعتا وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلًا له:
{ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } أي: أما أنت الذي ربيناه في منزلنا، وأحسنّا إليه، وأنعمنا عليه مدة من الدهر. وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فرّ منه، خلافًا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فرّ منه مات في مدة مقامه بمدين، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله: { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } أي: وقتلت الرجل القبطي، وفررت منا وجحدت نعمتنا.
{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } {{مردخ|الشعراء: 20}} أي: قبل أن يوحى إلي وينزل علي.
{ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ } {{مردخ|الشعراء: 21}} ثم قال مجيبًا لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } {{مردخ|الشعراء: 22}} أي: وهذه النعمة التي ذكرت، من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل، تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك.
{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } {{مردخ|الشعراء: 23-28}}.
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية، وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى، وزعم أنه الإله { فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } {{مردخ|النازعات: 23-24}}.
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } {{مردخ|القصص: 38}} وهو في هذه المقالة معاند، يعلم أنه عبد مربوب، وأن الله هو الخالق البارىء المصور الإله الحق، كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } {{مردخ|النمل: 14}}.
ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته، والإظهار أنه ما ثم رب أرسله: { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } لأنهما قالا له: { إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثتكما؟
فأجابه موسى قائلًا: { رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } يعني: رب العالمين، خالق هذه السموات والأرض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتعددة من السحاب، والرياح، والمطر، والنبات، والحيوانات، التي يسلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولا بدلها من موجد، ومحدث وخالق، وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
قال أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه، على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام: { أَلَا تَسْتَمِعُونَ } يعني: كلامه هذا. قال موسى مخاطبًا له ولهم: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ }.
أي: هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد، والقرون السالفة في الآباد، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه، ولم يحدث من غير محدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين، وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } {{مردخ|فصلت: 53}}.
ومع هذا كله، لم يستفق فرعون من رقدته، ولا نزع عن ضلالته، بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه { قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } {{مردخ|الشعراء: 27-28}}
أي: هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة، المسير للأفلاك الدائرة، خالق الظلام والضياء، ورب الأرض والسماء، رب الأولين والآخرين، خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة، والثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وفلك يسبحون، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون، وانقطعت شبهه، ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } {{مردخ|الشعراء: 29-33}}.
وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما، وهما: العصا واليد، وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذي بهر به العقول والأبصار، حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أي: عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر.
حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد، وخوف عظيم، بحيث أنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يومًا إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال.
وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه واستخرجها رجعت إلى صفتها الأولى، ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشيء من ذلك.
بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته، ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين، والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه: { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى* قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } {{مردخ|طه: 40-46}}.
يقول تعالى مخاطبًا لموسى فيما كلّمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدًا لك وأنت في دار فرعون، وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين، بمشيئتي وقدرتي وتدبيري، فلبثت فيها سنين.
{ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى } أي: مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري.
{ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } أي: اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي.
{ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي } يعني: ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه، ووفدتما إليه فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته، وإهداء النصيحة إليه، وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الأحاديث يقول الله تعالى:
« إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه ». وقال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا..... } الآية {{مردخ|الأنفال: 45}}.
ثم قال تعالى: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } وهذا من حلمه تعالى وكرمه، ورأفته ورحمته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره، وهو إذ ذاك أردى خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين، ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى، كما قال لرسوله: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } {{مردخ|النحل: 125}}.
وقال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.... } الآية {{مردخ|العنكبوت: 46}}.
قال الحسن البصري: { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } أعذرا إليه قولًا له إن لك ربًا ولك معادًا، وإن بين يديك جنة ونارًا.
وقال وهب بن منبه: قولا له إني لي العفو والمغفرة، أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.
قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه!
{ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى } {{مردخ|طه: 45}} وذلك أن فرعون كان جبارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا، له سلطان في بلاد مصر طويل عريض، وجاه وجنود وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشرية، وخافا أن يسطو عليهما في بادىء الأمر، فثبتهما تعالى وهو العلي الأعلى فقال: { لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } {{مردخ|طه: 46}}.
كما قال في الآية الأخرى: { إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } {{مردخ|الشعراء: 15}} { فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } {{مردخ|طه: 47-48}}.
يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون، فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبده وحده لا شريك له، وأن يرسل معهم بني إسرائيل، ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم. { قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ } {{مردخ|طه: 47}} وهو البرهان العظيم في العصى واليد.
{ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } تقيد مفيد بليغ عظيم، ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا: { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } أي: كذب بالحق بقلبه، وتولى عن العمل بقالبه.
وقد ذكر السدي وغيره: أنه لما قدم من بلاد مدين، دخل على أمه وأخيه هرون وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل - وهو اللفت - فأكل معهما، ثم قال: يا هرون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق.
فقال موسى للبوابين والحجبة: أعلموه أن رسول الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به.
وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل.
وقال محمد بن إسحاق: أذن لهما بعد سنتين؛ لأنه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما، فالله أعلم.
ويقال: إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون وأمر بإحضارهما، فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما.
وعند أهل الكتاب أن الله قال لموسى عليه السلام: إن هرون اللاوي، يعني من نسل لاوي بن يعقوب، سيخرج ويتلقاك، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يظهر ما أتاه من الآيات، وقال له: سأقسي قلبه فلا يرسل الشعب، وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر.
وأوحى الله إلى هرون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب، فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه، فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل، وذهبا إلى فرعون، فلما بلغاه رسالة الله قال: من هو الله لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل؟
وقال الله مخبرًا عن فرعون: { قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } {{مردخ|طه: 49-55}}.
يقول تعالى مخبرًا عن فرعون إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلًا: { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } أي: هو الذي خلق الخلق، وقدَّر لهم أعمالًا وأرزاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له، فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه، لكمال علمه وقدرته وقدره، وهذه الآية كقوله تعالى: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } {{مردخ|الأعلى: 1-3}} أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه.
{ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى } يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق، المقدر، الهادي الخلائق لما قدره، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه، فلم عبد الأولون غيره، وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى؟
{ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } أي: هم وإن عبدوا غيره، فليس ذلك بحجة لك، ولا يدل على خلاف ما أقول، لأنهم جهلة مثلك، كل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر، من صغير وكبير، وسيجزيهم على ذلك ربي عز وجل، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرة.
لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده، في كتاب لا يضل عنه شيء، ولا ينسى ربي شيئًا، ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء، وجعله الأرض مهادًا، والسماء سقفًا محفوظًا، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد، ودوابهم، وأنعامهم، كما قال: { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى } {{مردخ|طه: 54}} أي: لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفطر القويمة غير السقيمة، فهو تعالى الخالق الرزاق.
وكما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } {{مردخ|البقرة: 21-22}}.
ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه، نبه به على المعاد، فقال: { مِنْهَا } أي: من الأرض خلقناكم { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى }.
كما قال تعالى: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } {{مردخ|الأعراف: 29}}.
وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } {{مردخ|الروم: 27}}.
ثم قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } {{مردخ|طه: 56-59}}.
يخبر تعالى عن شقاء فرعون، وكثرة جهله، وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتباعها، وقوله لموسى إن هذا الذي جئت به سحر، ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم، ومكان معلوم، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام، أن يظهر آيات الله، وحججه، وبراهينه جهرة، بحضرة الناس، ولهذا قال: { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } وكان يوم عيد من أعيادهم، ومجتمع لهم.
{ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } أي: من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس، فيكون الحق أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلام، كيما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرة، لأنه على بصيرة من ربه ويقين، أن الله سيظهر كلمته ودينه، وإن رغمت أنوف القبط.
قال الله تعالى: { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } {{مردخ|طه: 60-64}}.
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء، في فنهم غاية، فجمعوا له من كل بلد، ومن كل مكان، فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير.
فقيل: كانوا ثمانين ألفًا، قاله محمد بن كعب.
وقيل: سبعين ألفًا قاله القاسم بن أبي بردة.
وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفًا.
وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفًا.
وقال محمد بن إسحاق: خمسة عشر ألفًا.
وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلًا، وروي عنه أيضًا: أنهم كانوا أربعين غلامًا من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء، فيتعلموا السحر ولهذا قالوا: وما أكرهتنا عليه من السحر، وفي هذا نظر.
وحضر فرعون وأمراؤه، وأهل دولته، وأهل بلده عن بكرة أبيهم، وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } {{مردخ|الشعراء: 40}}.
وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة، فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل، الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه، فقال: { لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ... } {{مردخ|طه: 61-62}} قيل: معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم، فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر فالله أعلم، وأسروا التناجي بهذا وغيره.
{ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا } يقولون: إن هذا وأخاه هرون ساحران، عليمان، مطبقان، متقنان لهذه الصناعة، ومرادهم أن يجتمع الناس عليهما، ويصولا على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمرا عليكم بهذه الصناعة.
{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } وإنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا، ويتواصوا، ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة، والمكر، والخديعة، والسحر، والبهتان، وهيهات كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء أنى يعارض البهتان والسحر والهذيان، خوارق العادات التي أجراها الديان، على يدي عبده الكليم، ورسوله الكريم، المؤيد بالبرهان، الذي يبهر الأبصار، وتحار فيه العقول والأذهان.
وقولهم: { فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } أي: جميع ما عندكم.
{ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } أي: جملة واحدة، ثم حضوا بعضهم بعضًا على التقدم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.
{ قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } {{مردخ|طه: 65-69}}.
لما اصطف السحرة، ووقف موسى وهرون عليهما السلام تجاههم، قالوا له: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك، { قَالَ بَلْ أَلْقُوا } أنتم وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصي، فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا، يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب ذلك، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون: { بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } {{مردخ|الشعراء: 44}}.
قال الله تعالى: { قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } {{مردخ|الأعراف: 116}}.
وقال تعالى: { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يلقي ما في يده، فإنه لا يضع شيئًا قبل أن يؤمر، فأوحى الله إليه في الساعة الراهنة: { لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: { مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } {{مردخ|يونس: 81-82}}.
وقال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } {{مردخ|الأعراف: 117-122}}.
وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها صارت حية عظيمة ذات قوائم، فيما ذكره غير واحد من علماء السلف، وعنق عظيم، وشكل هائل مزعج، بحيث أن الناس انحازوا منها، وهربوا سراعًا، وتأخروا عن مكانها، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي، فجعلت تلقفه واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها.
وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم، واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم، ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم، أن هذا ليس بسحر ولا شعبذة، ولا محال، ولا خيال، ولا زور، ولا بهتان، ولا ضلال، بل حق لا يقدر عليه إلا الحق الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق.
وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهدى، وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربهم، وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى: آمنا برب موسى وهرون.
كما قال تعالى: { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } {{مردخ|طه: 70-76}}.
قال سعيد بن جبير، وعكرمة، والقاسم بن أبي بردة، والأوزاعي وغيرهم: لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة، تهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون، وتهديده، ووعيده.
وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا، وأشهروا ذكروا موسى وهرون في الناس على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمرًا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع، وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله فقال مخاطبًا للسحرة بحضرة الناس: { آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } {{مردخ|الأعراف: 123}}.
أي: هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي، ثم تهدد وتوعد وابرق وارعد وكذب فأبعد قائلًا: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ }. وقال في الآية الأخرى: {...إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } {{مردخ|الأعراف: 123}}.
وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان، بل لا يروج مثله على الصبيان، فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يومًا من الدهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر.
ثم هو لم يجمعهم، ولا علم باجتماعهم، حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم، واجتباهم من كل فج عميق، وواد سحيق، ومن حواضر بلاد مصر، والأطراف ومن المدن والأرياف.
قال الله تعالى في سورة الأعراف:
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } {{مردخ|الأعراف: 103-126}}.
وقال تعالى في سورة يونس:
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } {{مردخ|يونس: 75-82}}.
وقال تعالى في سورة الشعراء: { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } {{مردخ|الشعراء: 29-51}}.
والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } وأتى ببهتان يعلمه العالمون، بل العالمون في قوله: { لَكُمْ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }.
وقوله: { لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ }: يعني يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه. { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } أي: ليجعلهم مثلة ونكالًا، لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل ملته، ولهذا قال: { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أي: على جذوع النخل لأنها أعلى وأشهر.
{ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } يعني: في الدنيا.
{ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } أي: لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات.
{ وَالَّذِي فَطَرَنَا } قيل: معطوف، وقيل: قسم.
{ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } أي: فافعل ما قدرت عليه. { إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله.
{ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب.
وأبقى أي: وأدوم من هذه الدار الفانية.
وفي الآية الأخرى: { قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا } أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم. { أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: من القبط، بموسى وهرون عليهما السلام.
وقالوا له أيضًا: { وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } أي: ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا، واتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا.
{ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي: ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد. { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ }.
وقالوا أيضًا يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم: { إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى } يقولون له: فإياك أن تكون منهم فكان منهم.
{ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى } أي: المنازل العالية.
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } فاحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع، وحكم العلي العظيم بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم ليباشر العذاب الأليم؛ يصب من فوق رأسه الحميم.
ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح المنبوح، والذميم اللئيم: { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } {{مردخ|الدخان: 49}}.
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون - لعنه الله - صلبهم وعذبهم رضي الله عنهم.
قال عبد الله بن عباس، وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة، ويؤيد هذا قولهم: { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِيْنَ }
{{هامش محدود}}
{{البداية والنهاية/الجزء الأول}}
[[تصنيف:البداية والنهاية:الجزء الأول|{{صفحة فرعية}}]]
3if0p17xft6whupfiuwfw3gmnpppinv
607858
607857
2026-04-21T21:10:01Z
~2026-24532-00
72009
607858
wikitext
text/x-wiki
{{TextQuality|75%}}{{مركزية
|عنوان= [[البداية والنهاية/الجزء الأول|البداية والنهاية - الجزء الأول]]
|مؤلف= ابن كثير
|باب=
|سابق= → [[البداية والنهاية/الجزء الأول/فضل يونس|فضل يونس]]
|لاحق= [[البداية والنهاية/الجزء الأول/فصل|فصل]] ←
|ملاحظات= قصة موسى الكليم
}}
{{نثر}}
وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } {{مردخ|مريم: 51-53}} وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن، وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة، وغير مطولة، وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير، وسنورد سيرته ههنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة، وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات، التي ذكرها السلف وغيرهم، إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } {{مردخ|القصص: 1-6}}.
يذكر تعالى ملخص القصة، ثم يبسطها بعد هذا فذكر: أنه يتلو على نبيه خبر موسى، وفرعون بالحق أي: بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له.
{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } أي: تجبر وعتا وطغى، وبغى وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى، وجعل أهلها شيعًا أي: قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع.
{ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } وهم: شعب بني إسرائيل، الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض، وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر، الفاجر، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف، وأردئها وأدناها.
ومع هذا { يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح: أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه سيخرج من ذريته غلام، يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها.
وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرًا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي، عن أبي صالح، وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان.
ولهذا قال الله تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ } وهم: بنو إسرائيل.
{ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } أي: الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم.
{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } أي: سنجعل الضعيف قويًا، والمقهور قادرًا، والذليل عزيزًا، وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل، كما قال تعالى: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا... } الآية {{مردخ|الأعراف: 137}}.
وقال تعالى: { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } {{مردخ|الشعراء: 57-59}}. وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود: أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى، حتى جعل رجالًا وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته.
وعند أهل الكتاب: أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بني إسرائيل، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم. وهذا فيه نظر، بل هو باطل، وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم } ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: { أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا }.
فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولًا، حذرًا من وجود موسى. هذا والقدر يقول: يا أيها ذا الملك الجبار، المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتساع سلطانه، قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا يخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتعداه، ولا تطلع على سر معناه.
ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك، على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما أوحى إليه، لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد، ذو البأس العظيم، والحول والقوة والمشيئة، التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل، بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار، فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعون بقتل الأبناء عامًا، وأن يتركوا عامًا.
فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت أمه به ذرعًا، واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت ألهمت، أن اتخذت له تابوتًا، فربطته في حبل، وكانت دارهما متاخمة للنيل، فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.
قال الله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } {{مردخ|القصص: 7-9}}.
هذا الوحي: وحي إلهام وإرشاد، كما قال تعالى: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا.. } الآية {{مردخ|النحل: 68-69}} وليس هو بوحي نبوة، كما زعمه ابن حزم، وغير واحد من المتكلمين؛ بل الصحيح الأول، كما حكاه أبو الحسن الأشعري، عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي: واسم أم موسى أيارخا، وقيل: أياذخت.
والمقصود: أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقي في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك، وإن الله سيجعله نبيًا مرسلًا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به، فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها، فذهب مع النيل فمر على دار فرعون { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ }.
قال الله تعالى: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقًا بقوله: { فَالْتَقَطَهُ } وأما إن جعل متعلقًا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم.
ويقوي هذا التقدير الثاني قوله: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } {{مردخ|القصص: 8}} وهو الوزير السوء { وَجُنُودَهُمَا } المتابعين لهما { كَانُوا خَاطِئِينَ } أي: كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرون على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون: آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل: إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل: بل كانت عمته، حكاه السهيلي، فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران، وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَم في الجنة.
فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه، أحبته حبًا شديدًا جدًا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه. فاستوهبته منه ودفعت عنه { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ } فقال لها فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا. أي: لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها: { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا } {{مردخ|القصص: 9}} وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه.
{ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } وذلك أنهما تبنياه؛ لأنه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى: { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم، حين قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده، وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى دربتة ابنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عز وجل.
{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } {{مردخ|القصص: 10-13}}.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا } أي: من كل شيء من أمور الدنيا، إلا من موسى.
{ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أي: لتظهر أمره، وتسأل عنه جهرة.
{ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } أي: صبرناها وثبتناها { لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }.
{ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ } وهي ابنتها الكبيرة، قصيه أي: اتبعي أثره، واطلبي له خبره { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } قال مجاهد: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده، ولهذا قال: { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة، فلم يقبل ثديًا ولا أخذ طعامًا، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى: { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق، لعل يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه، إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ }.
قال ابن عباس: لما قالت ذلك، قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقهم عليه؟.
فقالت: رغبة في صهر الملك، ورجاء منفعته، فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها، وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا.
وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها، وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلًا وأولادًا، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها، ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات و الكساوي والهبات، فرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } أي: كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته.
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال له: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } {{مردخ|طه: 37-39}}.
إذ قال قتادة، وغير واحد من السلف أي: تطعم، وترفه، وتغذى بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس، بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك، فيما صنعت بك لك، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري.
{ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } {{مردخ|طه: 40}} وسنورد حديث الفتون في موضعه، بعد هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ } {{مردخ|القصص: 14-17}}.
لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها، واحسانه بذلك، وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، وهو احتكام الخلق والخلق - وهو سن الأربعين - في قول الأكثرين، آتاه الله حكمًا وعلمًا، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال: { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }.
ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به، كما سيأتي.
قال تعالى: { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والسدي: وذلك نصف النهار.
وعن ابن عباس: بين العشائين.
{ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ } أي: يتضاربان ويتهاوشان.
{ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ } أي: إسرائيلي.
{ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } أي: قبطي. قاله: ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق.
{ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له، وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله أي: من الرضاعة.
فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي، أقبل إليه موسى { فَوَكَزَهُ } قال مجاهد أي: طعنه بجمع كفه.
وقال قتادة: بعصا كانت معه.
{ فَقَضَى عَلَيْهِ } أي: فمات منها. وقد كان ذلك القبطي كافرًا مشركًا بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه ومع هذا { قَالَ } موسى { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } أي: من العز والجاه { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ }.
{ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } {{مردخ|القصص: 18-21}}.
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفًا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، ويترتب على ذلك أمر عظيم، فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم { خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: يلتفت.
فبينما هو كذلك، إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه أي: يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ }.
ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك، وأقبل على القبطي { قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ }.
قال بعضهم: إنما قال هذا الكلام: الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس، وكأنه لما رأى موسى مقبلًا إلى القبطي، اعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } فقال ما قال لموسى، وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي، وأنه لما رآه مقبلًا إليه خافه، ورأى من سجيته انتصارًا جيدًا للإسرائيلي، فقال ما قال من باب الظن والفراسة: إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس، أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا، والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس، فأرسل في طلبه، وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ } ساعيًا إليه مشفقًا عليه فقال: { قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ } أي: من هذه البلدة { إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } أي: فيما أقوله لك.
قال الله تعالى: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلًا:
{ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } {{مردخ|القصص: 21-24}}.
يخبر تعالى عن خروج عبده، ورسوله، وكليمه من مصر خائفًا يترقب، أي: يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها.
{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي: اتجه له طريق يذهب فيه.
{ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود. وكذا وقع أو صلته إلى مقصود، وأي مقصود.
{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } وكانت بئرًا يستقون منها. ومدين هي: المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب عليه السلام. وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء.
{ وَلَمَّا وَرَدَ } الماء المذكور.
{ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } أي: تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس.
وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضًا من الغلط، وكأنه كنَّ سبعًا ولكن إنما كان تسقي اثنتان منهن، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظًا، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان.
{ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } أي: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره. قال الله تعالى: { فَسَقَى لَهُمَا }.
قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فتجىء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر، كما كان.
قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة رجال، وإنما استقى ذنوبًا واحدًا فكفاهما.
{ ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } قالوا: وكان ظل شجرة من السمر. روى ابن جرير، عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف.
{ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل، وورق الشجر، وكان حافيًا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة.
قال عطاء بن السائب: لما { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } أسمع المرأة.
{ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } {{مردخ|القصص: 25-28}}.
لما جلس موسى عليه السلام في الظل، و { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } سمعته المرأتان فيما قيل، فذهبتا إلى أبيهما، فيقال: إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } أي: مشي الحراير { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } صرحت له بهذا، لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها.
{ فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر، فرارًا من فرعونها، قال له ذلك الشيخ: { لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل هو: شعيب عليه السلام، وهذا هو المشهور عند كثيرين، وممن نصَّ عليه الحسن البصري، ومالك بن أنس، وجاء مصرحًا به في حديث، ولكن في إسناده نظر.
وصرَّح طائفة بأن شعيبًا عليه السلام عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه، حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا اسمه: شعيب. وكان سيد الماء، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين.
وقيل: إنه ابن أخي شعيب.
وقيل: ابن عمه.
وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب.
وقيل: رجل اسمه يثرون، هكذا هو في كتب أهل الكتاب، يثرون: كاهن مدين، أي: كبيرها، وعالمها.
قال ابن عباس، وأبو عبيدة بن عبد الله: اسمه يثرون، زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب، زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه، وأكرم مثواه، وقصَّ عليه ما كان من أمره، بشَّره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: { يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي: لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين.
قال عمرو ابن عباس، وشريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لما قالت ذلك قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟
فقالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلف الطريق فاقذفي لي بحصاة، أعلم بها كيف الطريق.
قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.
{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين، أو الثوبين، ونحو ذلك أنه يصح لقوله: إحدى ابنتي هاتين، وفي هذا نظر لأن هذه مراوضة لا معاقدة، والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الإيجار بالطعمة، والكسوة، كما جرت به العادة، واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجه في (سننه) مترجمًا عليه في كتابه: باب إستئجار الأجير على طعام بطنه.
حدثنا محمد بن الصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، قال: سمعت عتبة بن الدر يقول: كنا عند رسول الله {{صل}} فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى، قال:
« إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشرة على عفة فرجه، وطعام بطنه ».
وهذا من هذا الوجه لا يصح، لأن مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي، ضعيف عند الأئمة، لا يحتج بتفرده.
ولكن قد روي من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحار ث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، قال:
سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله {{صل}} يحدث أن رسول الله {{صل}} قال:
« إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه ».
ثم قال تعالى: { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة، أي الأجلين قضى موسى؟
فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فاسأله.
فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما، وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير، عن أحمد بن محمد الطوسي، وابن أبي حاتم، عن أبيه كلاهما، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله {{صل}} قال:
« سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أتمهما وأكملهما ».
وإبراهيم هذا غير معروف، إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي {{صل}} فذكره.
وقد رواه سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلًا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل، فسأل جبريل إسرافيل، فسأل إسرافيل الرب عز وجل، فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم، من حديث يوسف بن سرح مرسلًا، ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب، أن رسول الله {{صل}} سُئل أي الأجلين قضى موسى.
قال: « أوفاهما، وأتمهما ».
وقد رواه البزار، وابن أبي حاتم، من حديث عويد بن أبي عمران الجوني - وهو ضعيف - عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر أن رسول الله {{صل}} سئل أي الأجلين قضى موسى، قال:
« أوفاهما، وأبرهما ».
قال: « وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما ».
وقد رواه البزار، وابن أبي حاتم، من طريق عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح، عن عتبة بن النذر أن رسول الله قال:
« إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعام بطنه ».
فلما وفى الأجل، قيل يا رسول الله: أي الأجلين؟
قال: « أبرهما وأوفاهما ».
فلما أراد فراق شعيب، سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه، من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سودًا حسانًا.
فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض، فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة، قال: فاتمئت، وآنثت، ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا عزوز، ولا ثعول، ولا كموش، تفوت الكف.
قال النبي {{صل}}: « لو اقتحمتم الشام، وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ».
قال ابن لهيعة: الفشوش: واسعة السخب. والضبوب: طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة السخب، والثعول: الصغيرة الضرع، كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره.
وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، وقد يكون موقوفًا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، قال:
لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها، فعمد فوضع خيالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهن بلقًا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام، وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان، أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقًا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام، فالله أعلم.
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } {{مردخ|القصص: 29-32}}.
تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ } وعن مجاهد أنه أكمل عشرًا وعشرًا بعدها. وقوله: { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } أي: من عند صهره ذاهبًا فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم، أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم، وغنم قد استفادها مدة مقامه.
قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يوري زناده فلا يرى شيئًا، واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارًا تأجج في جانب الطور، وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لأهله: { امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } وكأنه - والله أعلم - رآها دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد.
{ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } أي: لعلي أستعلم من عندها عن الطريق.
{ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الأخرى: { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } {{مردخ|طه: 9-10}}.
فدل على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق، وجمع الكل في سورة النمل في قوله: { قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } {{مردخ|النمل: 7}}.
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدى وأي هدى، واقتبس منها نورًا وأي نور. قال الله تعالى: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|القصص: 30}}.
وقال في النمل: { فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|النمل: 8}} أي: سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
{ يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } {{مردخ|النمل: 9}}
وقال في سورة طه: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى } {{مردخ|طه: 11-16}}.
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها، فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج، وكل ما لتلك النار في اضطرام، وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد، فوقف متعجبًا، وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه.
كما قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } {{مردخ|القصص: 44}}. وكان موسى في واد اسمه: طوى، فكان موسى مستقبل القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب، فناداه ربه بالواد المقدس طوى، فأمر أولًا بخلع نعليه تعظيمًا وتكريمًا وتوقيرًا لتلك البقعة المباركة، ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب: أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور، مهابة له وخوفًا على بصره، ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلًا له: { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } {{مردخ|القصص: 30}} { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } {{مردخ|طه: 14}}.
أي: أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له، ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } أي: من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها، ومجانبة من لا يؤمن بها، ممن عصى مولاه واتبع هواه. ثم قال له مخاطبًا ومؤانسًا ومبينًا له أنه القادر على كل شيء، الذي يقول للشيء كن فيكون. { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى } {{مردخ|طه: 17}} أي: أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها؟
{ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } {{مردخ|طه: 18}} أي: بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها.
{ قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } {{مردخ|طه: 19-20}} وهذا خارق عظيم، وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب: أنه سأل برهانًا على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عز وجل: ما هذه التي في يدك؟
قال: عصاي. قال: ألقها إلى الأرض.
{ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } {{مردخ|طه: 20}} فهرب موسى من قدامها، فأمره الرب عز وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } {{مردخ|النمل: 10}} أي: قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة، وأنياب تصك، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان، وهو ضرب من الحيات.
يقال: الجان والجنان، وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدًا. فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة، فلما عاينها موسى عليه السلام { وَلَّى مُدْبِرًَا } أي: هاربًا منها لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك. { وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي: ولم يلتفت، فناداه ربه قائلًا له: { يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ } {{مردخ|القصص: 21}}.
فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها، { قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى } {{مردخ|طه: 21}} فيقال: إنه هابها شديدًا فوضع يده في كم مدرعته، ثم وضع يده في وسط فمها.
وعند أهل الكتاب بذنبها، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين والمغربين.
ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا من غير سوء أي: من غير برص ولا بهق، ولهذا قال: { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } قيل: معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصًا به، إلا أن بركة الإيمان به حق، بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء.
وقال في سورة النمل: { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } {{مردخ|النمل: 12}} أي: هاتان الآيتان: وهما العصا واليد، وهما البرهانان المشار إليهما في قوله: { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }.
ومع ذلك سبع آيات أخر، فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان، حيث يقول تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } {{مردخ|الإسراء: 101-102}}.
وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ } {{مردخ|130-133}}.
كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه، وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات، فإن التسع: من كلمات الله القدرية، والعشر: من كلماته الشرعية. وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة، فظن أن هذه هي هذه، كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } {{مردخ|القصص: 33-35}}.
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله، وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عز وجل، حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فرارًا من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي، ولهذا { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } أي: اجعله معي معينًا، وردءًا ووزيرًا يساعدني، ويعينني على أداء رسالتك إليهم، فإنه أفصح مني لسانًا وأبلغ بيانًا.
قال الله تعالى مجيبًا له إلى سؤاله: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } أي: برهانًا. { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } أي: فلا ينالون منكما مكروهًا بسبب قيامكما بآياتنا. وقيل: ببركة آياتنا.
{ أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } وقال في سورة طه: { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } {{مردخ|طه: 24-28}}.
قيل: إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت: إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه، فهم بأخذ التمرة، فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها، فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقية، ولهذا قال فرعون - قبحه الله - فيما زعم إنه يعيب به الكليم، { وَلَا يَكَادُ يُبِيْنُ } {{مردخ|الزخرف: 52}} أي: يفصح عن مراده، ويعبر عما في ضميره وفؤاده.
ثم قال موسى عليه السلام: { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى } {{مردخ|طه: 32-36}} أي: قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت، وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل، حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم. قال الله تعالى: { وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيْهًا } {{مردخ|الأحزاب: 69}}.
وقال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } {{مردخ|مريم: 53}}.
وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلًا يقول لأناس وهم سائرون طريق الحج: أي أخ أمن على أخيه؟
فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون.
فأوحى إليه قال الله تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا }.
قال تعالى في سورة الشعراء: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } {{مردخ|الشعراء: 10-19}}.
تقدير الكلام: فأتياه فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤوا، ويتفرغون لتوحيده ودعائه، والتضرع لديه، فتكبر فرعون في نفسه، وعتا وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلًا له:
{ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } أي: أما أنت الذي ربيناه في منزلنا، وأحسنّا إليه، وأنعمنا عليه مدة من الدهر. وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فرّ منه، خلافًا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فرّ منه مات في مدة مقامه بمدين، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله: { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } أي: وقتلت الرجل القبطي، وفررت منا وجحدت نعمتنا.
{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } {{مردخ|الشعراء: 20}} أي: قبل أن يوحى إلي وينزل علي.
{ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ } {{مردخ|الشعراء: 21}} ثم قال مجيبًا لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } {{مردخ|الشعراء: 22}} أي: وهذه النعمة التي ذكرت، من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل، تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك.
{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } {{مردخ|الشعراء: 23-28}}.
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية، وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى، وزعم أنه الإله { فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } {{مردخ|النازعات: 23-24}}.
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } {{مردخ|القصص: 38}} وهو في هذه المقالة معاند، يعلم أنه عبد مربوب، وأن الله هو الخالق البارىء المصور الإله الحق، كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } {{مردخ|النمل: 14}}.
ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته، والإظهار أنه ما ثم رب أرسله: { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } لأنهما قالا له: { إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثتكما؟
فأجابه موسى قائلًا: { رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } يعني: رب العالمين، خالق هذه السموات والأرض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتعددة من السحاب، والرياح، والمطر، والنبات، والحيوانات، التي يسلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولا بدلها من موجد، ومحدث وخالق، وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
قال أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه، على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام: { أَلَا تَسْتَمِعُونَ } يعني: كلامه هذا. قال موسى مخاطبًا له ولهم: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ }.
أي: هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد، والقرون السالفة في الآباد، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه، ولم يحدث من غير محدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين، وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } {{مردخ|فصلت: 53}}.
ومع هذا كله، لم يستفق فرعون من رقدته، ولا نزع عن ضلالته، بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه { قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } {{مردخ|الشعراء: 27-28}}
أي: هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة، المسير للأفلاك الدائرة، خالق الظلام والضياء، ورب الأرض والسماء، رب الأولين والآخرين، خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة، والثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وفلك يسبحون، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون، وانقطعت شبهه، ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } {{مردخ|الشعراء: 29-33}}.
وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما، وهما: العصا واليد، وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذي بهر به العقول والأبصار، حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أي: عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر.
حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد، وخوف عظيم، بحيث أنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يومًا إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال.
وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه واستخرجها رجعت إلى صفتها الأولى، ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشيء من ذلك.
بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته، ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين، والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه: { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى* قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } {{مردخ|طه: 40-46}}.
يقول تعالى مخاطبًا لموسى فيما كلّمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدًا لك وأنت في دار فرعون، وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين، بمشيئتي وقدرتي وتدبيري، فلبثت فيها سنين.
{ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى } أي: مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري.
{ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } أي: اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي.
{ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي } يعني: ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه، ووفدتما إليه فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته، وإهداء النصيحة إليه، وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الأحاديث يقول الله تعالى:
« إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه ». وقال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا..... } الآية {{مردخ|الأنفال: 45}}.
ثم قال تعالى: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } وهذا من حلمه تعالى وكرمه، ورأفته ورحمته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره، وهو إذ ذاك أردى خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين، ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى، كما قال لرسوله: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } {{مردخ|النحل: 125}}.
وقال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.... } الآية {{مردخ|العنكبوت: 46}}.
قال الحسن البصري: { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } أعذرا إليه قولًا له إن لك ربًا ولك معادًا، وإن بين يديك جنة ونارًا.
وقال وهب بن منبه: قولا له إني لي العفو والمغفرة، أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.
قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه!
{ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى } {{مردخ|طه: 45}} وذلك أن فرعون كان جبارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا، له سلطان في بلاد مصر طويل عريض، وجاه وجنود وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشرية، وخافا أن يسطو عليهما في بادىء الأمر، فثبتهما تعالى وهو العلي الأعلى فقال: { لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } {{مردخ|طه: 46}}.
كما قال في الآية الأخرى: { إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } {{مردخ|الشعراء: 15}} { فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } {{مردخ|طه: 47-48}}.
يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون، فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبده وحده لا شريك له، وأن يرسل معهم بني إسرائيل، ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم. { قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ } {{مردخ|طه: 47}} وهو البرهان العظيم في العصى واليد.
{ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } تقيد مفيد بليغ عظيم، ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا: { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } أي: كذب بالحق بقلبه، وتولى عن العمل بقالبه.
وقد ذكر السدي وغيره: أنه لما قدم من بلاد مدين، دخل على أمه وأخيه هرون وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل - وهو اللفت - فأكل معهما، ثم قال: يا هرون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق.
فقال موسى للبوابين والحجبة: أعلموه أن رسول الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به.
وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل.
وقال محمد بن إسحاق: أذن لهما بعد سنتين؛ لأنه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما، فالله أعلم.
ويقال: إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون وأمر بإحضارهما، فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما.
وعند أهل الكتاب أن الله قال لموسى عليه السلام: إن هرون اللاوي، يعني من نسل لاوي بن يعقوب، سيخرج ويتلقاك، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يظهر ما أتاه من الآيات، وقال له: سأقسي قلبه فلا يرسل الشعب، وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر.
وأوحى الله إلى هرون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب، فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه، فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل، وذهبا إلى فرعون، فلما بلغاه رسالة الله قال: من هو الله لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل؟
وقال الله مخبرًا عن فرعون: { قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } {{مردخ|طه: 49-55}}.
يقول تعالى مخبرًا عن فرعون إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلًا: { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } أي: هو الذي خلق الخلق، وقدَّر لهم أعمالًا وأرزاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له، فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه، لكمال علمه وقدرته وقدره، وهذه الآية كقوله تعالى: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } {{مردخ|الأعلى: 1-3}} أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه.
{ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى } يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق، المقدر، الهادي الخلائق لما قدره، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه، فلم عبد الأولون غيره، وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى؟
{ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } أي: هم وإن عبدوا غيره، فليس ذلك بحجة لك، ولا يدل على خلاف ما أقول، لأنهم جهلة مثلك، كل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر، من صغير وكبير، وسيجزيهم على ذلك ربي عز وجل، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرة.
لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده، في كتاب لا يضل عنه شيء، ولا ينسى ربي شيئًا، ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء، وجعله الأرض مهادًا، والسماء سقفًا محفوظًا، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد، ودوابهم، وأنعامهم، كما قال: { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى } {{مردخ|طه: 54}} أي: لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفطر القويمة غير السقيمة، فهو تعالى الخالق الرزاق.
وكما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } {{مردخ|البقرة: 21-22}}.
ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه، نبه به على المعاد، فقال: { مِنْهَا } أي: من الأرض خلقناكم { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى }.
كما قال تعالى: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } {{مردخ|الأعراف: 29}}.
وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } {{مردخ|الروم: 27}}.
ثم قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } {{مردخ|طه: 56-59}}.
يخبر تعالى عن شقاء فرعون، وكثرة جهله، وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتباعها، وقوله لموسى إن هذا الذي جئت به سحر، ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم، ومكان معلوم، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام، أن يظهر آيات الله، وحججه، وبراهينه جهرة، بحضرة الناس، ولهذا قال: { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } وكان يوم عيد من أعيادهم، ومجتمع لهم.
{ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } أي: من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس، فيكون الحق أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلام، كيما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرة، لأنه على بصيرة من ربه ويقين، أن الله سيظهر كلمته ودينه، وإن رغمت أنوف القبط.
قال الله تعالى: { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } {{مردخ|طه: 60-64}}.
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء، في فنهم غاية، فجمعوا له من كل بلد، ومن كل مكان، فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير.
فقيل: كانوا ثمانين ألفًا، قاله محمد بن كعب.
وقيل: سبعين ألفًا قاله القاسم بن أبي بردة.
وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفًا.
وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفًا.
وقال محمد بن إسحاق: خمسة عشر ألفًا.
وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلًا، وروي عنه أيضًا: أنهم كانوا أربعين غلامًا من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء، فيتعلموا السحر ولهذا قالوا: وما أكرهتنا عليه من السحر، وفي هذا نظر.
وحضر فرعون وأمراؤه، وأهل دولته، وأهل بلده عن بكرة أبيهم، وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } {{مردخ|الشعراء: 40}}.
وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة، فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل، الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه، فقال: { لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ... } {{مردخ|طه: 61-62}} قيل: معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم، فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر فالله أعلم، وأسروا التناجي بهذا وغيره.
{ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا } يقولون: إن هذا وأخاه هرون ساحران، عليمان، مطبقان، متقنان لهذه الصناعة، ومرادهم أن يجتمع الناس عليهما، ويصولا على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمرا عليكم بهذه الصناعة.
{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } وإنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا، ويتواصوا، ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة، والمكر، والخديعة، والسحر، والبهتان، وهيهات كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء أنى يعارض البهتان والسحر والهذيان، خوارق العادات التي أجراها الديان، على يدي عبده الكليم، ورسوله الكريم، المؤيد بالبرهان، الذي يبهر الأبصار، وتحار فيه العقول والأذهان.
وقولهم: { فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } أي: جميع ما عندكم.
{ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } أي: جملة واحدة، ثم حضوا بعضهم بعضًا على التقدم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.
{ قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } {{مردخ|طه: 65-69}}.
لما اصطف السحرة، ووقف موسى وهرون عليهما السلام تجاههم، قالوا له: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك، { قَالَ بَلْ أَلْقُوا } أنتم وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصي، فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا، يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب ذلك، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون: { بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } {{مردخ|الشعراء: 44}}.
قال الله تعالى: { قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } {{مردخ|الأعراف: 116}}.
وقال تعالى: { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يلقي ما في يده، فإنه لا يضع شيئًا قبل أن يؤمر، فأوحى الله إليه في الساعة الراهنة: { لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: { مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } {{مردخ|يونس: 81-82}}.
وقال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } {{مردخ|الأعراف: 117-122}}.
وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها صارت حية عظيمة ذات قوائم، فيما ذكره غير واحد من علماء السلف، وعنق عظيم، وشكل هائل مزعج، بحيث أن الناس انحازوا منها، وهربوا سراعًا، وتأخروا عن مكانها، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي، فجعلت تلقفه واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها.
وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم، واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم، ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم، أن هذا ليس بسحر ولا شعبذة، ولا محال، ولا خيال، ولا زور، ولا بهتان، ولا ضلال، بل حق لا يقدر عليه إلا الحق الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق.
وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهدى، وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربهم، وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى: آمنا برب موسى وهرون.
كما قال تعالى: { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } {{مردخ|طه: 70-76}}.
قال سعيد بن جبير، وعكرمة، والقاسم بن أبي بردة، والأوزاعي وغيرهم: لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة، تهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون، وتهديده، ووعيده.
وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا، وأشهروا ذكروا موسى وهرون في الناس على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمرًا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع، وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله فقال مخاطبًا للسحرة بحضرة الناس: { آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } {{مردخ|الأعراف: 123}}.
أي: هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي، ثم تهدد وتوعد وابرق وارعد وكذب فأبعد قائلًا: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ }. وقال في الآية الأخرى: {...إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } {{مردخ|الأعراف: 123}}.
وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان، بل لا يروج مثله على الصبيان، فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يومًا من الدهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر.
ثم هو لم يجمعهم، ولا علم باجتماعهم، حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم، واجتباهم من كل فج عميق، وواد سحيق، ومن حواضر بلاد مصر، والأطراف ومن المدن والأرياف.
قال الله تعالى في سورة الأعراف:
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } {{مردخ|الأعراف: 103-126}}.
وقال تعالى في سورة يونس:
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } {{مردخ|يونس: 75-82}}.
وقال تعالى في سورة الشعراء: { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } {{مردخ|الشعراء: 29-51}}.
والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } وأتى ببهتان يعلمه العالمون، بل العالمون في قوله: { إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }.
وقوله: { لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ }: يعني يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه. { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } أي: ليجعلهم مثلة ونكالًا، لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل ملته، ولهذا قال: { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أي: على جذوع النخل لأنها أعلى وأشهر.
{ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } يعني: في الدنيا.
{ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } أي: لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات.
{ وَالَّذِي فَطَرَنَا } قيل: معطوف، وقيل: قسم.
{ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } أي: فافعل ما قدرت عليه. { إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله.
{ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب.
وأبقى أي: وأدوم من هذه الدار الفانية.
وفي الآية الأخرى: { قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا } أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم. { أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: من القبط، بموسى وهرون عليهما السلام.
وقالوا له أيضًا: { وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } أي: ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا، واتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا.
{ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي: ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد. { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ }.
وقالوا أيضًا يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم: { إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى } يقولون له: فإياك أن تكون منهم فكان منهم.
{ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى } أي: المنازل العالية.
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } فاحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع، وحكم العلي العظيم بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم ليباشر العذاب الأليم؛ يصب من فوق رأسه الحميم.
ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح المنبوح، والذميم اللئيم: { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } {{مردخ|الدخان: 49}}.
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون - لعنه الله - صلبهم وعذبهم رضي الله عنهم.
قال عبد الله بن عباس، وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة، ويؤيد هذا قولهم: { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِيْنَ }
{{هامش محدود}}
{{البداية والنهاية/الجزء الأول}}
[[تصنيف:البداية والنهاية:الجزء الأول|{{صفحة فرعية}}]]
21vn0t1elaole013t8alrzh17f7i0u8
نقاش المستخدم:Arçil xan Günəşsoylu
3
144594
607829
518099
2026-04-21T15:09:07Z
Qədir
68326
نقل Qədir صفحة [[نقاش المستخدم:가웨인]] إلى [[نقاش المستخدم:Arçil xan Günəşsoylu]]: نُقِلت الصفحة آليا عند إعادة تسمية المستخدم «[[Special:CentralAuth/가웨인|가웨인]]» إلى «[[Special:CentralAuth/Arçil xan Günəşsoylu|Arçil xan Günəşsoylu]]».
250765
wikitext
text/x-wiki
{| style="margin: 0 2em 0 2em; background-color:#f7f8ff; padding:5px; border:1px solid #8888aa; clear: both;"
|
<center><big>'''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:ويكي مصدر|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''</big></center>
|-align="center"
| <div style="padding:5px;font-size:small"><center style="word-spacing:1ex"><small>[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobrodosli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]]</small></center></div>
[[صورة:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]أهلا بك في [[ويكي مصدر:حول|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وتعليمات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
|} [[مستخدم:مصعب|مصعب]] ([[نقاش المستخدم:مصعب|نقاش]]) 18:10، 15 فبراير 2018 (ت ع م)
1yfrlb5jb3il8br204fwobcs2f95l98
مستخدم:MenoBot/category redirect log
2
175781
607882
604379
2026-04-22T00:49:39Z
MenoBot
1263
بوت صيانة تحويلات التصانيف
607882
wikitext
text/x-wiki
== 2026-04-22T00:49:38Z ==
* تمت إضافة [[قالب:تحويل تصنيف]] إلى [[:تصنيف:مجتمع ويكيميديا ليبيا]]
* غير تحويلة غير متوقعة: [[:تصنيف:مجتمع ويكيميديا ليبيا]]
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
*# [[:تصنيف:Pages with reference errors]] → [[:تصنيف:صفحات بأخطاء في المراجع]]
*# [[:تصنيف:Pages with script errors]] → [[:تصنيف:صفحات بها أخطاء في البرنامج النصي]]
*# [[:تصنيف:Speedy]] → [[:تصنيف:صفحات حذف سريع]]
*# [[:تصنيف:أحوال أبي عمر المقدسي:مطبوع]] → [[:تصنيف:أحوال أبي عمر المقدسي:مخطوط]]
*# [[:تصنيف:المملكة العربية السعودية]] → [[:تصنيف:السعودية]]
*# [[:تصنيف:ترجمات لنصوص برخصة مشاع إبداعي]] → [[:تصنيف:ترجمات لنصوص برخصة المشاع الإبداعي]]
*# [[:تصنيف:روجعت]] → [[:تصنيف:صححت]]
*# [[:تصنيف:سنن ابن ماجه:مطبوع]] → [[:تصنيف:سنن ابن ماجة:مطبوع]]
*# [[:تصنيف:سنن ابن ماجه:مقدمة]] → [[:تصنيف:سنن ابن ماجة:مقدمة]]
*# [[:تصنيف:سنن ابن ماجه]] → [[:تصنيف:سنن ابن ماجة]]
*# [[:تصنيف:صفحات بحاجة للتنسيق]] → [[:تصنيف:صفحات بحاجة لتنسيق]]
*# [[:تصنيف:صفحات حذف سريع]] → [[:تصنيف:صفحات للحذف السريع]]
*# [[:تصنيف:صودقت]] → [[:تصنيف:تم التحقق منها]]
*# [[:تصنيف:صيانة ويكي الكتب]] → [[:تصنيف:صيانة ويكي مصدر]]
*# [[:تصنيف:صيانة]] → [[:تصنيف:صيانة ويكي مصدر]]
*# [[:تصنيف:قرارات مجلس الأمن الدولي]] → [[:تصنيف:قرارات مجلس أمن الأمم المتحدة]]
*# [[:تصنيف:كتب إسلامية]] → [[:تصنيف:إسلام]]
*# [[:تصنيف:لم تراجع]] → [[:تصنيف:لم تصحح]]
*# [[:تصنيف:مؤلفون يكتبون بـالإنجليزية]] → [[:تصنيف:مؤلفون يكتبون بالإنجليزية]]
*# [[:تصنيف:مجتمع ويكيميديا ليبيا]] → [[:تصنيف:ويكيميديا ليبيا]]
*# [[:تصنيف:مستخدمون مراجعون تلقائيون]] → [[:تصنيف:مستخدمون مراجعون تلقائيا]]
*# [[:تصنيف:مواليد 383 ق.م]] → [[:تصنيف:مواليد 383 ق م]]
*# [[:تصنيف:مواليد 654 ه]] → [[:تصنيف:مواليد 654 ه]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 10 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 10 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 10]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 10]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 11]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 11]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 12]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 12]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 13 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 13 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 13]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 13]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 14]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 14]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 15]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 15]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 16]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 16]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 17]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 17]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 19]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 19]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 2 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 2 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 20]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 20]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 2]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 2]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 3 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 3 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 3]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 3]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 4 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 4 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 4]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 4]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 5 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 5 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 5]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 5]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 6 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 6 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 6]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 6]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 7 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 7 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 7]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 7]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 8 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 8 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 8]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 8]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 9 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 9 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 9]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 9]]
*# [[:تصنيف:مواليد ٦٥٤ ه - ١٢٥٦م]] → [[:تصنيف:مواليد 654 ه]]
*# [[:تصنيف:وفيات 321 ق.م]] → [[:تصنيف:وفيات 321 ق م]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 1 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 1 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 10]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 10]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 11 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 11 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 11]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 11]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 12 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 12 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 12]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 12]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 13 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 13 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 13]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 13]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 14 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 14 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 14]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 14]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 15]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 15]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 16]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 16]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 17]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 17]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 1]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 1]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 2 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 2 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 20]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 20]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 2]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 2]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 3 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 3 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 3]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 3]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 4 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 4 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 4]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 4]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 5 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 5 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 5]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 5]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 6 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 6 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 6]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 6]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 7 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 7 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 7]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 7]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 8 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 8 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 8]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 8]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 9 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 9 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 9]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 9]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 11 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 11 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 12 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 12 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 13 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 13 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 14 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 14 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 15 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 15 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 16 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 16 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 17 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 17 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 18 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 18 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 19 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 19 ق م]]
*# [[:تصنيف:ويكيمصدريون مسترجعون]] → [[:تصنيف:مستخدمون مسترجعون]]
== 2023-07-03T13:52:34Z ==
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
== 2023-04-14T20:56:42Z ==
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
ldtd8gchamcp6hzn89szlm54w73ga6m
607883
607882
2026-04-22T00:50:50Z
MenoBot
1263
بوت صيانة تحويلات التصانيف
607883
wikitext
text/x-wiki
== 2026-04-22T00:50:48Z ==
* تخطي [[:تصنيف:مجتمع ويكيميديا ليبيا]]؛ في فترة التهدئة
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
== 2026-04-22T00:49:38Z ==
* تمت إضافة [[قالب:تحويل تصنيف]] إلى [[:تصنيف:مجتمع ويكيميديا ليبيا]]
* غير تحويلة غير متوقعة: [[:تصنيف:مجتمع ويكيميديا ليبيا]]
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
*# [[:تصنيف:Pages with reference errors]] → [[:تصنيف:صفحات بأخطاء في المراجع]]
*# [[:تصنيف:Pages with script errors]] → [[:تصنيف:صفحات بها أخطاء في البرنامج النصي]]
*# [[:تصنيف:Speedy]] → [[:تصنيف:صفحات حذف سريع]]
*# [[:تصنيف:أحوال أبي عمر المقدسي:مطبوع]] → [[:تصنيف:أحوال أبي عمر المقدسي:مخطوط]]
*# [[:تصنيف:المملكة العربية السعودية]] → [[:تصنيف:السعودية]]
*# [[:تصنيف:ترجمات لنصوص برخصة مشاع إبداعي]] → [[:تصنيف:ترجمات لنصوص برخصة المشاع الإبداعي]]
*# [[:تصنيف:روجعت]] → [[:تصنيف:صححت]]
*# [[:تصنيف:سنن ابن ماجه:مطبوع]] → [[:تصنيف:سنن ابن ماجة:مطبوع]]
*# [[:تصنيف:سنن ابن ماجه:مقدمة]] → [[:تصنيف:سنن ابن ماجة:مقدمة]]
*# [[:تصنيف:سنن ابن ماجه]] → [[:تصنيف:سنن ابن ماجة]]
*# [[:تصنيف:صفحات بحاجة للتنسيق]] → [[:تصنيف:صفحات بحاجة لتنسيق]]
*# [[:تصنيف:صفحات حذف سريع]] → [[:تصنيف:صفحات للحذف السريع]]
*# [[:تصنيف:صودقت]] → [[:تصنيف:تم التحقق منها]]
*# [[:تصنيف:صيانة ويكي الكتب]] → [[:تصنيف:صيانة ويكي مصدر]]
*# [[:تصنيف:صيانة]] → [[:تصنيف:صيانة ويكي مصدر]]
*# [[:تصنيف:قرارات مجلس الأمن الدولي]] → [[:تصنيف:قرارات مجلس أمن الأمم المتحدة]]
*# [[:تصنيف:كتب إسلامية]] → [[:تصنيف:إسلام]]
*# [[:تصنيف:لم تراجع]] → [[:تصنيف:لم تصحح]]
*# [[:تصنيف:مؤلفون يكتبون بـالإنجليزية]] → [[:تصنيف:مؤلفون يكتبون بالإنجليزية]]
*# [[:تصنيف:مجتمع ويكيميديا ليبيا]] → [[:تصنيف:ويكيميديا ليبيا]]
*# [[:تصنيف:مستخدمون مراجعون تلقائيون]] → [[:تصنيف:مستخدمون مراجعون تلقائيا]]
*# [[:تصنيف:مواليد 383 ق.م]] → [[:تصنيف:مواليد 383 ق م]]
*# [[:تصنيف:مواليد 654 ه]] → [[:تصنيف:مواليد 654 ه]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 10 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 10 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 10]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 10]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 11]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 11]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 12]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 12]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 13 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 13 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 13]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 13]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 14]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 14]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 15]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 15]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 16]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 16]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 17]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 17]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 19]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 19]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 2 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 2 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 20]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 20]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 2]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 2]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 3 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 3 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 3]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 3]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 4 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 4 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 4]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 4]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 5 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 5 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 5]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 5]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 6 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 6 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 6]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 6]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 7 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 7 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 7]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 7]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 8 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 8 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 8]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 8]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 9 هـ]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 9 هـ]]
*# [[:تصنيف:مواليد قرن 9]] → [[:تصنيف:مواليد القرن 9]]
*# [[:تصنيف:مواليد ٦٥٤ ه - ١٢٥٦م]] → [[:تصنيف:مواليد 654 ه]]
*# [[:تصنيف:وفيات 321 ق.م]] → [[:تصنيف:وفيات 321 ق م]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 1 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 1 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 10]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 10]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 11 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 11 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 11]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 11]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 12 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 12 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 12]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 12]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 13 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 13 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 13]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 13]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 14 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 14 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 14]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 14]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 15]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 15]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 16]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 16]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 17]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 17]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 1]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 1]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 2 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 2 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 20]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 20]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 2]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 2]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 3 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 3 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 3]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 3]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 4 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 4 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 4]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 4]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 5 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 5 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 5]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 5]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 6 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 6 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 6]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 6]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 7 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 7 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 7]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 7]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 8 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 8 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 8]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 8]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 9 هـ]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 9 هـ]]
*# [[:تصنيف:وفيات قرن 9]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 9]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 11 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 11 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 12 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 12 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 13 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 13 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 14 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 14 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 15 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 15 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 16 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 16 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 17 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 17 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 18 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 18 ق م]]
*# [[:تصنيف:ووفيات القرن 19 ق م]] → [[:تصنيف:وفيات القرن 19 ق م]]
*# [[:تصنيف:ويكيمصدريون مسترجعون]] → [[:تصنيف:مستخدمون مسترجعون]]
== 2023-07-03T13:52:34Z ==
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
== 2023-04-14T20:56:42Z ==
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
4x6s3y3hcss93egp0mdhcv4awjd2bh3
607892
607883
2026-04-22T01:55:51Z
Meno25
3370
-
607892
wikitext
text/x-wiki
== 2023-07-03T13:52:34Z ==
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
== 2023-04-14T20:56:42Z ==
* التحويلات الجديدة منذ التقرير الأخير:
5j3331gpd8rfpm29s14rzlq38l9h8ca
تصنيف:مجتمع ويكيميديا ليبيا
14
303106
607881
606950
2026-04-22T00:47:56Z
MenoBot
1263
بوت: إضافة قالب تحويل تصنيف للصيانة
607881
wikitext
text/x-wiki
{{تحويل تصنيف|ويكيميديا ليبيا}}
rz8cjs3n4g8gzveel0v9o0r7h5jfr2r
فهرس:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf
106
303475
607924
607807
2026-04-22T06:20:35Z
JazarF
71952
607924
proofread-index
text/x-wiki
{{:MediaWiki:Proofreadpage_index_template
|النوع=book
|العنوان=الأدب الصغير
|Language=ar
|الجزء=
|المؤلف=[[مؤلف:عبد الله بن المقفع|عبد الله بن المقفع]]
|المترجم=
|المحقق=[[مؤلف:أحمد زكي باشا|أحمد زكي باشا]]
|المحرر=
|الرسام=
|المدرسة=
|الناشر=طبع على ذمة جمعية العروة الوثقى الخيرية الإسلامية بمطبعة مدرسة محمد علي الصناعية
|المكان=
|السنة=1911
|Key=
|ISBN=
|OCLC=
|LCCN=
|BNF_ARK=
|ARC=
|DOI=
|المصدر=pdf
|الصورة=9
|الحالة=C
|Transclusion=no
|Validation_date=
|الصفحات=<pagelist
1to6="–"
7="Half"
8="على ذمة"
9="عنوان"
10="–"
11="تصد1"
12="تصد2"
13="تصد3"
14="تصد4"
15="تصد5"
16="تصد6"
17="تصد7"
18="نظرة1"
19="نظرة2"
20="نظرة3"
21="نظرة4"
22="نظرة5"
23="1"
102to108="–"
23to101=arab/>
|الأجزاء=
|الملاحظات=
|Width=
|Header={{وسط|—{{{pagenum}}}—}}
{{rule}}
|Footer=
|wikidata=
}}
czdly229vakd2x4fv809s9aifbjttad
نقاش المستخدم:가웨인
3
303492
607830
2026-04-21T15:09:07Z
Qədir
68326
نقل Qədir صفحة [[نقاش المستخدم:가웨인]] إلى [[نقاش المستخدم:Arçil xan Günəşsoylu]]: نُقِلت الصفحة آليا عند إعادة تسمية المستخدم «[[Special:CentralAuth/가웨인|가웨인]]» إلى «[[Special:CentralAuth/Arçil xan Günəşsoylu|Arçil xan Günəşsoylu]]».
607830
wikitext
text/x-wiki
#تحويل [[نقاش المستخدم:Arçil xan Günəşsoylu]]
aeg3wiouh1rwfb7zmvbpk4purqle01z
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/36
104
303493
607831
2026-04-21T15:29:18Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'الأَكْلَة والسَّاعَاتِ عَلَى السَّاعَةِ. الباب الثاني<ref>اي الخصلة الثانية</ref>: أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا يُوثِرُ مِنْ ذلِك، فَيَضعَ الرَّجَاءَ وَالْخَوْف فِيهِ مَوْضِعَهُ. فَلَا يُجْعَلُ ٱتَّقَاءَهُ لِغَيْر الْمَخُوفِ وَلَا رَجَاءَهُ في غيْرِ الْمُدْرَكِ. ف...'
607831
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٤—}}
{{rule}}</noinclude>الأَكْلَة والسَّاعَاتِ عَلَى السَّاعَةِ.
الباب الثاني<ref>اي الخصلة الثانية</ref>: أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا يُوثِرُ مِنْ ذلِك، فَيَضعَ الرَّجَاءَ وَالْخَوْف فِيهِ مَوْضِعَهُ. فَلَا يُجْعَلُ ٱتَّقَاءَهُ لِغَيْر الْمَخُوفِ وَلَا رَجَاءَهُ في غيْرِ الْمُدْرَكِ. فَيَتَوَقَّى عَاجِلَ اللَّذاتِ طَلَبًا لِآجِلِها، وَيَحْتَمِلُ قَرِيبَ الْأَذى تَوَقِّيًا لِبَعِيدِهِ. فَإِذَا صَارَ إِلى الْعَاقِبَةِ، بَدَا لَهُ أَنَّ فِرَارَهُ كانَ تَوَرُّطًا وَأَنَّ طَلَبَهُ كَانَ تَنَكُّبًا.
الباب الثالث<ref>أي الخصلة الثالثة</ref>: هُوَ تَنْفِيدُ الْبَصَرِ بِالْعَزْمِ، بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِفَضْلِ الَّذِي هُوَ أَدْوَمُ، وَبَعْدَ التَّثَبُّتِ في مَوَاضِعِ الرَّجَاءِ والْخَوْفِ. فَإِنَّ طَالِبَ الْفَضْلِ بِغَيْرِ بَصَرٍ تَائِهٌ حَيْرَانُ، وَمُبْصِرُ الْفَضْلِ بِغَيْرِ عَزْمِ ذُو زَمَانَةٍ مَحْرُومٌ.
{{nop}}<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
csdyr7h4way6cxpftzcqbysu3vszrmt
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/37
104
303494
607832
2026-04-21T16:04:56Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'{{نجمات}} وَعلَى العَاقِلِ مُخاصَمَةُ نَفْسِهِ ومحَاسبتُها وَالْقَضاءُ عَلَيْها وَالإِثَابَةُ وَالتنْكِيلُ بِها. أَمَّا المُحاسَبَةُ، فيُحاسِبُهَا بِمَا لَهَا. فَإِنَّهُ لَا مَالَ لَهَا إِلا أَيامُهَا الْمَعْدُودَةُ التي مَا ذَهَبَ مِنْها لَمْ يُسْتَخ...'
607832
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٥—}}
{{rule}}</noinclude>{{نجمات}}
وَعلَى العَاقِلِ مُخاصَمَةُ نَفْسِهِ ومحَاسبتُها وَالْقَضاءُ عَلَيْها وَالإِثَابَةُ وَالتنْكِيلُ بِها.
أَمَّا المُحاسَبَةُ، فيُحاسِبُهَا بِمَا لَهَا. فَإِنَّهُ لَا مَالَ لَهَا إِلا أَيامُهَا الْمَعْدُودَةُ التي مَا ذَهَبَ مِنْها لَمْ يُسْتَخْلَفْ كَمَا تُسْتَخْلَفْ النَّفَقَةُ، وما جُعِلَ مِنْهَا فِي الْبَاطِلِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَ، الْحَقِّ. فَيَتَنَبَّهُ لِهَذِهِ المُحاسَبَةِ عِنْدَ الْحَوْلِ إِذَا حَالَ، والشَّهْرِ إِذَا ٱنْقَضَى، والْيَوْمِ إِذَا وَلَّى. فيَنْظُرُ فِيمَا أَفنَى مِنْ ذَلِكَ، وما كَسَبَ لِنَفْسِهِ، ومَا ٱكْتسَبَ علَيْهَا: في أَمْرِ الدِّينِ وَأَمْرِ الدُّنْيَا. فَيَجْمَعُ ذلِكَ في كِتٍَبِ فِيهِ إِحصَاءٌ، وجَدٌّ، وتَذْكِيرٌ لِلامُورِ، وتَبْكِيتٌ لِلنَّفْسِ، وتَذْليلٌ لَهَا حَتَّى تَعْتَرِفَ وَتُذْعِنَ.
{{nop}}<noinclude></noinclude>
nm6bayyvl3hwzaz7hee5sx9ztyxxqu0
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/38
104
303495
607833
2026-04-21T16:12:47Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'وأَمَّا الْخُصُومَةُ، فَإِنَّ مِنْ طِبَاعِ النَّفْسِ الآمِرَةِ بالسُّوءِ أَنْ تَدَّعِيَ ٱلمَعَاذِيرَ فِيمَا مَضَى، والْأَمَاني فِيمَا بَقِيَ، فَيَرُدَّ عَلَيْهَا مَعَاذِيرَهَا وَعِلَلَهَا وَشُبُهَاتِهَ. وأَمَّا الْقَضَاءُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمْ فِيمَ...'
607833
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٦—}}
{{rule}}</noinclude>وأَمَّا الْخُصُومَةُ، فَإِنَّ مِنْ طِبَاعِ النَّفْسِ الآمِرَةِ بالسُّوءِ أَنْ تَدَّعِيَ ٱلمَعَاذِيرَ فِيمَا مَضَى، والْأَمَاني فِيمَا بَقِيَ، فَيَرُدَّ عَلَيْهَا مَعَاذِيرَهَا وَعِلَلَهَا وَشُبُهَاتِهَ.
وأَمَّا الْقَضَاءُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمْ فِيمَا ارَادَتْ منْ ذلِكَ عَلى السَّيِّئَةِ بِأَنَّهَا فَاضِحَةٌ مُرْدِيَةٌ مُوبِقَةٌ، وَلِلْحَسَنَةِ بأَنَّهَا زَائِنَةٌ مُنْجِيَةٌ مُرْبِحَةٌ.
وأَمَّا الْإِثَابَةُ والتَّنْكِيلُ، فَإِنَّهُ يَسُرُّ نَفْسَهُ بتَذَكُّرِ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ ورَجاءِ عَوَاقِبِهَا وَتَأْمِيلِ فَضْلِهَا، وَيُعَاقِبُ نَفْسَهُ بالتَّذَكُّرِ لِلسَّيِّئَاتِ وَالتَّبَشُّعِ بِهَا والٱقْشِعْرارِ مِنْهَا وَالْحُزْنِ لهَا.
فَأَفْضَلُ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ بِهَذَا أَخْذًا، وَأَقَلُّهُمْ عَنْهَا فيهِ فَتْرَةً.
{{نحمات}}<noinclude></noinclude>
icm60hkvjbito2xizqg1rxtu82v2hdu
607834
607833
2026-04-21T16:13:06Z
JazarF
71952
607834
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٦—}}
{{rule}}</noinclude>وأَمَّا الْخُصُومَةُ، فَإِنَّ مِنْ طِبَاعِ النَّفْسِ الآمِرَةِ بالسُّوءِ أَنْ تَدَّعِيَ ٱلمَعَاذِيرَ فِيمَا مَضَى، والْأَمَاني فِيمَا بَقِيَ، فَيَرُدَّ عَلَيْهَا مَعَاذِيرَهَا وَعِلَلَهَا وَشُبُهَاتِهَ.
وأَمَّا الْقَضَاءُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمْ فِيمَا ارَادَتْ منْ ذلِكَ عَلى السَّيِّئَةِ بِأَنَّهَا فَاضِحَةٌ مُرْدِيَةٌ مُوبِقَةٌ، وَلِلْحَسَنَةِ بأَنَّهَا زَائِنَةٌ مُنْجِيَةٌ مُرْبِحَةٌ.
وأَمَّا الْإِثَابَةُ والتَّنْكِيلُ، فَإِنَّهُ يَسُرُّ نَفْسَهُ بتَذَكُّرِ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ ورَجاءِ عَوَاقِبِهَا وَتَأْمِيلِ فَضْلِهَا، وَيُعَاقِبُ نَفْسَهُ بالتَّذَكُّرِ لِلسَّيِّئَاتِ وَالتَّبَشُّعِ بِهَا والٱقْشِعْرارِ مِنْهَا وَالْحُزْنِ لهَا.
فَأَفْضَلُ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ بِهَذَا أَخْذًا، وَأَقَلُّهُمْ عَنْهَا فيهِ فَتْرَةً.
{{نحمات}}
{{nop}}<noinclude></noinclude>
d0enm3lv2g3swv83zm1xrjljbrw35vn
607835
607834
2026-04-21T16:13:19Z
JazarF
71952
607835
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٦—}}
{{rule}}</noinclude>وأَمَّا الْخُصُومَةُ، فَإِنَّ مِنْ طِبَاعِ النَّفْسِ الآمِرَةِ بالسُّوءِ أَنْ تَدَّعِيَ ٱلمَعَاذِيرَ فِيمَا مَضَى، والْأَمَاني فِيمَا بَقِيَ، فَيَرُدَّ عَلَيْهَا مَعَاذِيرَهَا وَعِلَلَهَا وَشُبُهَاتِهَ.
وأَمَّا الْقَضَاءُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمْ فِيمَا ارَادَتْ منْ ذلِكَ عَلى السَّيِّئَةِ بِأَنَّهَا فَاضِحَةٌ مُرْدِيَةٌ مُوبِقَةٌ، وَلِلْحَسَنَةِ بأَنَّهَا زَائِنَةٌ مُنْجِيَةٌ مُرْبِحَةٌ.
وأَمَّا الْإِثَابَةُ والتَّنْكِيلُ، فَإِنَّهُ يَسُرُّ نَفْسَهُ بتَذَكُّرِ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ ورَجاءِ عَوَاقِبِهَا وَتَأْمِيلِ فَضْلِهَا، وَيُعَاقِبُ نَفْسَهُ بالتَّذَكُّرِ لِلسَّيِّئَاتِ وَالتَّبَشُّعِ بِهَا والٱقْشِعْرارِ مِنْهَا وَالْحُزْنِ لهَا.
فَأَفْضَلُ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ بِهَذَا أَخْذًا، وَأَقَلُّهُمْ عَنْهَا فيهِ فَتْرَةً.
{{نجمات}}
{{nop}}<noinclude></noinclude>
en644483c2flk4kt5x9vrspfe668m61
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/39
104
303496
607836
2026-04-21T16:25:13Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا، ذِكْرًا يُبَاشِرُ بِهِ الْقُلُوبَ وَيَقْذَعُ الطِّمَاحَ.<ref>يكف النفس ويمنعها عن النفار والاسترسال في الشهوات</ref> فَإِنَّ فِي كَثْرَةِ ذِكرِ الْمَوْتِ عِصْمَةً مِنَ الْأَش...'
607836
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٧—}}
{{rule}}</noinclude>وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا، ذِكْرًا يُبَاشِرُ بِهِ الْقُلُوبَ وَيَقْذَعُ الطِّمَاحَ.<ref>يكف النفس ويمنعها عن النفار والاسترسال في الشهوات</ref> فَإِنَّ فِي كَثْرَةِ ذِكرِ الْمَوْتِ عِصْمَةً مِنَ الْأَشَرِ، وَأَمَانًا — بِأِذْنِ اللّٰهِ - مِنَ الْهَلَع.
{{نجمات}}
وعَلى الْعَاقِلِ انْ يُحْصِيَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَاوِيَهَا في الدِّينِ وفي الْأَخْلَاقِ وفي الْآدَابِ: فَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي صَدْرِهِ أَوْ في كِتَاب: ثُمَّ يُكْثِرُ عَرْضَهُ عَلَى نَفْسِهِ، ويُكَلِّفُهَا إِصْلَاحَهُ، وَيُوظِّفُ ذَلِكَ عَلَيْهَا تَوْظِيفًا مِنْ إِصْلَاحِ الخَلَّةِ وَالْخَلَّتَيْنِ وَالْخِلالِ فِي الْيَوْمِ أَوِ الْجُمْعَةِ أَوِ الشَّهْرِ.
فَكُلَّمَا أَصْلَحَ شَيْئًا، مَحَاهُ؛ وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى مَحْوٍ، ٱسْتَبْشَرَ؛ وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى ثَابِتٍ، ٱكْتَأَبَ.
{{nop}}<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
ppv7cgicj8b7z765mygx5z2wnbyio2h
607837
607836
2026-04-21T16:25:34Z
JazarF
71952
607837
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٧—}}
{{rule}}</noinclude>وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا، ذِكْرًا يُبَاشِرُ بِهِ الْقُلُوبَ وَيَقْذَعُ الطِّمَاحَ.<ref>يكف النفس ويمنعها عن النفار والاسترسال في الشهوات</ref> فَإِنَّ فِي كَثْرَةِ ذِكرِ الْمَوْتِ عِصْمَةً مِنَ الْأَشَرِ، وَأَمَانًا — بِأِذْنِ اللّٰهِ - مِنَ الْهَلَعِ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعَاقِلِ انْ يُحْصِيَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَاوِيَهَا في الدِّينِ وفي الْأَخْلَاقِ وفي الْآدَابِ: فَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي صَدْرِهِ أَوْ في كِتَاب: ثُمَّ يُكْثِرُ عَرْضَهُ عَلَى نَفْسِهِ، ويُكَلِّفُهَا إِصْلَاحَهُ، وَيُوظِّفُ ذَلِكَ عَلَيْهَا تَوْظِيفًا مِنْ إِصْلَاحِ الخَلَّةِ وَالْخَلَّتَيْنِ وَالْخِلالِ فِي الْيَوْمِ أَوِ الْجُمْعَةِ أَوِ الشَّهْرِ.
فَكُلَّمَا أَصْلَحَ شَيْئًا، مَحَاهُ؛ وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى مَحْوٍ، ٱسْتَبْشَرَ؛ وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى ثَابِتٍ، ٱكْتَأَبَ.
{{nop}}<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
7qkabfhxqmzi352fp6prprea5e3bmb7
607838
607837
2026-04-21T16:26:21Z
JazarF
71952
607838
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٧—}}
{{rule}}</noinclude>وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا، ذِكْرًا يُبَاشِرُ بِهِ الْقُلُوبَ وَيَقْذَعُ الطِّمَاحَ.<ref>يكف النفس ويمنعها عن النفار والاسترسال في الشهوات</ref> فَإِنَّ فِي كَثْرَةِ ذِكرِ الْمَوْتِ عِصْمَةً مِنَ الْأَشَرِ، وَأَمَانًا — بِأِذْنِ اللّٰهِ — مِنَ الْهَلَعِ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعَاقِلِ انْ يُحْصِيَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَاوِيَهَا في الدِّينِ وفي الْأَخْلَاقِ وفي الْآدَابِ: فَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي صَدْرِهِ أَوْ في كِتَاب: ثُمَّ يُكْثِرُ عَرْضَهُ عَلَى نَفْسِهِ، ويُكَلِّفُهَا إِصْلَاحَهُ، وَيُوظِّفُ ذَلِكَ عَلَيْهَا تَوْظِيفًا مِنْ إِصْلَاحِ الخَلَّةِ وَالْخَلَّتَيْنِ وَالْخِلالِ فِي الْيَوْمِ أَوِ الْجُمْعَةِ أَوِ الشَّهْرِ.
فَكُلَّمَا أَصْلَحَ شَيْئًا، مَحَاهُ؛ وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى مَحْوٍ، ٱسْتَبْشَرَ؛ وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى ثَابِتٍ، ٱكْتَأَبَ.
{{nop}}<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
4z3irr3gc997vqspv8axk5rhxkc3nsg
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/40
104
303497
607839
2026-04-21T16:35:21Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'{{نجمات}} وعلى الْعَاقِلِ أَنْ يتَفَقَّدَ مَحَاسِنَ النَّاسِ وَيَحْفَظَهَا عَلى نَفْسِهِ، وَيَتَعَهَّدَهَا بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا فِي إِصْلَاحِ الْمَسَاوِي. {{نجمات}} وعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُخَادِنَ وَلَا يُصَاحِبَ وَلَا يُجَاوِرَ مِنَ ا...'
607839
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٨—}}
{{rule}}</noinclude>{{نجمات}}
وعلى الْعَاقِلِ أَنْ يتَفَقَّدَ مَحَاسِنَ النَّاسِ وَيَحْفَظَهَا عَلى نَفْسِهِ، وَيَتَعَهَّدَهَا بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا فِي إِصْلَاحِ الْمَسَاوِي.
{{نجمات}}
وعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُخَادِنَ وَلَا يُصَاحِبَ وَلَا يُجَاوِرَ مِنَ النَّاسِ — مَا ٱسْتَطَاعَ — إِلَّا ذَا فَضْلٍ في الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ، فَيَأْخُذَ عَنْهُ، أَوْ مُوَافِقًا لَهُ عَلَى إِصْلَاح ذَلِكَ؛ فَيُؤَيِّدَ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلٌ.
فَإِنَّ الخِصَالَ الصَّالِحَةَ مِنَ الْبِرِّ لَا تَحْيَا وَلَا تَنْمِي إِلَّا
بالْمُوَافِقِينَ وَالْمُؤَيِّدِينَ. وَلَيْسَ لِذِي الْفَضْلِ قَرِيبٌ وَلَا حَمِيمٌ
أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِمَّنْ وافَقَهُ عَلى صَالِحِ الْخِصَالِ فَزَادَهُ وَثَبَّتَهُ.
وَلِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ الْأَوَّلِينَ أَنَّ صُحْبَةَ بَلِيدٍ نَشَأَ مَعَ<noinclude></noinclude>
pa159v08fai6231ijsw3fptqb6cdvh9
607840
607839
2026-04-21T16:35:37Z
JazarF
71952
607840
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٨—}}
{{rule}}</noinclude>{{نجمات}}
وعلى الْعَاقِلِ أَنْ يتَفَقَّدَ مَحَاسِنَ النَّاسِ وَيَحْفَظَهَا عَلى نَفْسِهِ، وَيَتَعَهَّدَهَا بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا فِي إِصْلَاحِ الْمَسَاوِي.
{{نجمات}}
وعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُخَادِنَ وَلَا يُصَاحِبَ وَلَا يُجَاوِرَ مِنَ النَّاسِ — مَا ٱسْتَطَاعَ — إِلَّا ذَا فَضْلٍ في الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ، فَيَأْخُذَ عَنْهُ، أَوْ مُوَافِقًا لَهُ عَلَى إِصْلَاح ذَلِكَ؛ فَيُؤَيِّدَ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلٌ.
فَإِنَّ الخِصَالَ الصَّالِحَةَ مِنَ الْبِرِّ لَا تَحْيَا وَلَا تَنْمِي إِلَّا بالْمُوَافِقِينَ وَالْمُؤَيِّدِينَ. وَلَيْسَ لِذِي الْفَضْلِ قَرِيبٌ وَلَا حَمِيمٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِمَّنْ وافَقَهُ عَلى صَالِحِ الْخِصَالِ فَزَادَهُ وَثَبَّتَهُ.
وَلِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ الْأَوَّلِينَ أَنَّ صُحْبَةَ بَلِيدٍ نَشَأَ مَعَ<noinclude></noinclude>
s9q63r0nt5xtf2fvqlg1pazhlj9jfod
ويكي مصدر:مدونة قواعد السلوك
4
303498
607842
2026-04-21T17:33:19Z
حبيشان
52457
إنشاء
607842
wikitext
text/x-wiki
#تحويل [[wmf:Policy:Universal_Code_of_Conduct/ar]]
c7afo8snj1xspxnnah2j5nenh3qqpxa
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/25
104
303499
607844
2026-04-21T19:46:39Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'{{وسط|{{أكبر-2|كلمة}}}} {{وسط|{{أكبر|الجمعية الملتزمة للطبع والنشر}}}} أما بعد حمد اللّٰه كفَاءَ حقه، والصلاة والسلام على محمد أكرم خلقه. فقد صِرنا إلى عصر أذِنَ اللّٰه فيه للعربية أن تنشُط من عِقالها، وتلُمّ من شَعْثها، وتجدد من تاريخ مجدها، فسخّر لها مِن بَرَرة ب...'
607844
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٣—}}
{{rule}}</noinclude>{{وسط|{{أكبر-2|كلمة}}}}
{{وسط|{{أكبر|الجمعية الملتزمة للطبع والنشر}}}}
أما بعد حمد اللّٰه كفَاءَ حقه، والصلاة والسلام على محمد أكرم خلقه. فقد صِرنا إلى عصر أذِنَ اللّٰه فيه للعربية أن تنشُط من عِقالها، وتلُمّ من شَعْثها، وتجدد من تاريخ مجدها، فسخّر لها مِن بَرَرة بنيها، وخيرة محبيها، مَن يجمع شتاتها، ويستكمل عَتادها، مِن كرام ولاة الأمور، ومِن سَرَوَات الجمهور، حتى أصبحنا في هذا العصر العباسيّ الحاضر، نستعيد العصر العباسيّ الغابر.
وإِذ كنا — بعون اللّٰه — ممن تشرفوا بخدمة هذه اللغة، وكان البحاثة النقادة المفضال صاحب السعادة أحمد زكي باشا كاتب أسرار مجلس النظار في طليعة الذين وقفوا حياتهم على ٱستخراج نفائسها من ضمير الزمن، وإِبرازها في ثوب قشيب لنفع الأمّة والوطن، فقد تقدمنا إِليه أن يأذن لجمعيتنا بطبع كتَابَيْ «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير»، لابن المُقَفّع من النسخ الصحيحة المكملة لبعضها بعضًا التي ظفر بها في خزائن القسطنطينيَة اثناءَ تنقيبه فيها على امَّهات<noinclude></noinclude>
fdgaynnqr6epzd8j9gw6o04uqvvsrqf
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/26
104
303500
607845
2026-04-21T19:52:27Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'الكتب التي ستكون أساسًا لاِحياءِ الاداب العربية. وقد أودعهما في خزانة كتبه التى جعلها وقفًا بالقاهرة لأهل بلده وسائر المتأدبين. وغرض الجمعية من هذا الصنيع هو المعاونة على تقويم الاخلاق وتهذيب الطباع، باظهار ثمرة من ثمرات إِحياءِ الآداب العربية. وذلك لأنها...'
607845
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٤—}}
{{rule}}</noinclude>الكتب التي ستكون أساسًا لاِحياءِ الاداب العربية. وقد أودعهما في خزانة كتبه التى جعلها وقفًا بالقاهرة لأهل بلده وسائر المتأدبين.
وغرض الجمعية من هذا الصنيع هو المعاونة على تقويم الاخلاق وتهذيب الطباع، باظهار ثمرة من ثمرات إِحياءِ الآداب العربية. وذلك لأنها قررت الٱعتماد عليهما في مدارسها للمطالعة ليتعوّد النشء القراءَة في الكتب البليغة فيحذوا في كتابتهم حذوَ عباراتها وتتثقف عقولهم من بارع حكمتها ورائع معانيها.
فلم يقف سعادته عند حدّ السماح، بل تبرّع بتصحيحهما ومراجعة أصولهما، حتى ليُمْكِننا أن نقول إن هاتين النسختين أصح جميع الموجود من نفثات ابن المقفع: وهي الآن في حكم النادر.
وهذه أولهما «الأدب الصغير» نقدمها لطلبة المدارس ولجميع
قراءِ العربية. واللّه المسؤُول في أن يتمّم لنا ما نبتغيه لبلادنا من التقدم
والٱرتقاءِ في ظل خديونا المحبوب ورجاله الساعين في خير الأمة المتفانين
في اعلاءِ كلمة أهلها. آمين؝
{{Block left|{{وسط|جمعية العروة الوثقى الخيرية <br> الاسلامية}}}}<noinclude></noinclude>
qzmdk676ltusn4grqphmk2susa1lu37
607846
607845
2026-04-21T19:52:58Z
JazarF
71952
607846
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٤—}}
{{rule}}</noinclude>الكتب التي ستكون أساسًا لاِحياءِ الاداب العربية. وقد أودعهما في خزانة كتبه التى جعلها وقفًا بالقاهرة لأهل بلده وسائر المتأدبين.
وغرض الجمعية من هذا الصنيع هو المعاونة على تقويم الاخلاق وتهذيب الطباع، باظهار ثمرة من ثمرات إِحياءِ الآداب العربية. وذلك لأنها قررت الٱعتماد عليهما في مدارسها للمطالعة ليتعوّد النشء القراءَة في الكتب البليغة فيحذوا في كتابتهم حذوَ عباراتها وتتثقف عقولهم من بارع حكمتها ورائع معانيها.
فلم يقف سعادته عند حدّ السماح، بل تبرّع بتصحيحهما ومراجعة أصولهما، حتى ليُمْكِننا أن نقول إن هاتين النسختين أصح جميع الموجود من نفثات ابن المقفع: وهي الآن في حكم النادر.
وهذه أولهما «الأدب الصغير» نقدمها لطلبة المدارس ولجميع قراءِ العربية. واللّه المسؤُول في أن يتمّم لنا ما نبتغيه لبلادنا من التقدم والٱرتقاءِ في ظل خديونا المحبوب ورجاله الساعين في خير الأمة المتفانين في اعلاءِ كلمة أهلها. آمين؝
{{Block left|{{وسط|جمعية العروة الوثقى الخيرية <br> الاسلامية}}}}<noinclude></noinclude>
31o6ipg5m1tohkv5ndwpk6v3typ8ab7
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/11
104
303501
607847
2026-04-21T19:59:33Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'{{بسملة}} {{rule|5em}} {{وسط|{{أكبر|تصدير}}}} {{وسط|{{أكبر-2|لِلأدَب الصَّغِير}}}} ارسل اللّٰه مُحَمَّدًا بالحكمة وفصل الخطاب، وبَعَثَهُ لِيُتمِّم بَعَثَهُ مكارم الأخلاق. فكان مُحَمَّدٌ مُحَمَّدًا في قوله وفعله، ومثالًا حيّا للكمالات بين قومه. وهكذا تولّى تربيتهم وتاد...'
607847
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—تصد1—}}
{{rule}}</noinclude>{{بسملة}}
{{rule|5em}}
{{وسط|{{أكبر|تصدير}}}}
{{وسط|{{أكبر-2|لِلأدَب الصَّغِير}}}}
ارسل اللّٰه مُحَمَّدًا بالحكمة وفصل الخطاب، وبَعَثَهُ لِيُتمِّم بَعَثَهُ مكارم الأخلاق.
فكان مُحَمَّدٌ مُحَمَّدًا في قوله وفعله، ومثالًا حيّا للكمالات بين قومه. وهكذا تولّى تربيتهم وتاديبهم بنفسه، حتى أصبحوا وهم هُداة الأنام، وقادة الأيّام.
إِقترانُ القول بالعمل، وتَحَدِّي مكارم الأخلاق في السرّ<noinclude></noinclude>
n2pa72i6iy2w39ru2gt4wqbzyoonhlv
607848
607847
2026-04-21T19:59:45Z
JazarF
71952
607848
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>{{بسملة}}
{{rule|5em}}
{{وسط|{{أكبر|تصدير}}}}
{{وسط|{{أكبر-2|لِلأدَب الصَّغِير}}}}
ارسل اللّٰه مُحَمَّدًا بالحكمة وفصل الخطاب، وبَعَثَهُ لِيُتمِّم بَعَثَهُ مكارم الأخلاق.
فكان مُحَمَّدٌ مُحَمَّدًا في قوله وفعله، ومثالًا حيّا للكمالات بين قومه. وهكذا تولّى تربيتهم وتاديبهم بنفسه، حتى أصبحوا وهم هُداة الأنام، وقادة الأيّام.
إِقترانُ القول بالعمل، وتَحَدِّي مكارم الأخلاق في السرّ<noinclude></noinclude>
rjmwu4m5vj38n8byqlxh392pvqrwhvg
607849
607848
2026-04-21T20:00:15Z
JazarF
71952
607849
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>{{بسملة 2}}
{{rule|5em}}
{{وسط|{{أكبر|تصدير}}}}
{{وسط|{{أكبر-2|لِلأدَب الصَّغِير}}}}
ارسل اللّٰه مُحَمَّدًا بالحكمة وفصل الخطاب، وبَعَثَهُ لِيُتمِّم بَعَثَهُ مكارم الأخلاق.
فكان مُحَمَّدٌ مُحَمَّدًا في قوله وفعله، ومثالًا حيّا للكمالات بين قومه. وهكذا تولّى تربيتهم وتاديبهم بنفسه، حتى أصبحوا وهم هُداة الأنام، وقادة الأيّام.
إِقترانُ القول بالعمل، وتَحَدِّي مكارم الأخلاق في السرّ<noinclude></noinclude>
png9s58ztmmv5rdm7uxzw8xaoh7azk1
607850
607849
2026-04-21T20:00:43Z
JazarF
71952
607850
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>{{بسملة 2}}
{{rule|5em}}
{{وسط|{{أكبر|تصدير}}}}
{{وسط|{{أكبر-2|لِلأدَب الصَّغِير}}}}
ارسل اللّٰه مُحَمَّدًا بالحكمة وفصل الخطاب، وبَعَثَهُ لِيُتمِّم مكارم الأخلاق.
فكان مُحَمَّدٌ مُحَمَّدًا في قوله وفعله، ومثالًا حيّا للكمالات بين قومه. وهكذا تولّى تربيتهم وتاديبهم بنفسه، حتى أصبحوا وهم هُداة الأنام، وقادة الأيّام.
إِقترانُ القول بالعمل، وتَحَدِّي مكارم الأخلاق في السرّ<noinclude></noinclude>
8ex0bkgyzxfpyl0o625pmloaet4ikq8
607851
607850
2026-04-21T20:00:59Z
JazarF
71952
607851
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>{{بسملة 2}}
{{rule|5em}}
{{وسط|{{أكبر|تصدير}}}}
{{وسط|{{أكبر-2|لِلأدَب الصَّغِير}}}}
ارسل اللّٰه مُحَمَّدا بالحكمة وفصل الخطاب، وبَعَثَهُ لِيُتمِّم مكارم الأخلاق.
فكان مُحَمَّدٌ مُحَمَّدًا في قوله وفعله، ومثالًا حيّا للكمالات بين قومه. وهكذا تولّى تربيتهم وتاديبهم بنفسه، حتى أصبحوا وهم هُداة الأنام، وقادة الأيّام.
إِقترانُ القول بالعمل، وتَحَدِّي مكارم الأخلاق في السرّ<noinclude></noinclude>
0aky6r4sakyik4f5peuwz7r0ghu6o1c
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/12
104
303502
607852
2026-04-21T20:08:48Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607852
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>والعَلَن، وتَوَخِّي الكمال في حالتَيْ الوَحدة والاجتماع: تلك هي الأركان الثلاثة التي قامت عليها دولة الإسلام.
لذلك كان حقًا لها أنْ تصل في أقلّ من الثمانين، إِلى ما لم يبلغه غيرها في الغابرين ولا في الحاضرين. فَأَيْنَ منها صاحب التاج والإِيوان، أو اسكندر اليونان، أو قيصر الرومان? وهيهات أنْ يُدانيها ما نشهَدُه الان في غرب أَوْرُبَّة أو في شرقها المترامي الأطراف!
نعم لَمْ تَكُ إِلا {{غلط|عَشِيّةٌ|عَشِيّةً}} أو ضُحاها، حتى دانت الدنيا من أدناها إلى أقصاها، وفي أجمل شَطْرَيْها وأفضل شِقيْها، الى تلك الدولة الفتيّة البدوية التي كانت دعائمها، حيثما حلّت رجالاتها: حريّة وإخاء ومساواة.
أكان للناس عجبا أن أمة — تعتمد على هذه الدعائم وترتكز علَى تلك الأركان — تنشر لغة جديدة، وديانة حديثة، وحضارة بديعة? مُثلثٌ في التوحيد قد ٱجتمعت على كلمته شعوب متباينة من سدّ الصين في أقصى الشرق إِلى سِيف اقيانُس في نهاية أندلس. وذلك كله في مدة قد لا تكفي لمرور الجيوش وعبور الاساطيل.
{{nop}}<noinclude></noinclude>
3gu1vwz2ilb7miyrr1ad9q3zkj9qx7d
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/13
104
303503
607853
2026-04-21T20:15:34Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'فما هو السرّ في هذه الاعجوبة المدهشة التي لا نرى لها نظيرًا في التاريخ على الإطلاق? لعمري إنه ينحصر في كلمة واحدة، هي: '''مكارم الأخلاق.''' لبثت الحال على هذا المنوال تسعة قرون بالتمام: تتخللها أَزْمَة يتبعها فَرَج، ويَعتَوِرُها عُسرٌ يتلوه يُسر. إِلى أن ٱضطرب...'
607853
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>فما هو السرّ في هذه الاعجوبة المدهشة التي لا نرى لها نظيرًا في التاريخ على الإطلاق?
لعمري إنه ينحصر في كلمة واحدة، هي: '''مكارم الأخلاق.'''
لبثت الحال على هذا المنوال تسعة قرون بالتمام: تتخللها أَزْمَة يتبعها فَرَج، ويَعتَوِرُها عُسرٌ يتلوه يُسر. إِلى أن ٱضطرب دولاب تلك الحركة العمرانية الهائلة، وتضاءَل تيار الأخلاق الفاضلة. فكان ما كان، مما اسمّيه طوْر الكمون والافول، ولا أقول دَوْر التلاشي والزوال. وكل كَمين قَمينٌ بالظهور، وكل افول فإِلى طلوع ثم إِلى إِشراق!
تقلَّص ظل هذا الملك الوسيع، وتناقصت أطراف ذلك الرواق الممدود، فتراجع الشرق إِلى مهاده جاثمًا واجمًا، وحافظ على بيضته مدافعًا ومهاجمًا. وصبر أهلوه على خطوب الزمان صبر الكرام، وتربّصوا حتى تتصرّم أعاصير السياسة بسلام. والدنيا دول، '''«وتلك الأيّام نُداولها بين الناس»'''<noinclude></noinclude>
8mdjyq082x8qpz6baorm350oymdvooj
607854
607853
2026-04-21T20:15:56Z
JazarF
71952
607854
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>فما هو السرّ في هذه الاعجوبة المدهشة التي لا نرى لها نظيرًا في التاريخ على الإطلاق?
لعمري إِنه ينحصر في كلمة واحدة، هي: '''مكارم الأخلاق.'''
لبثت الحال على هذا المنوال تسعة قرون بالتمام: تتخللها أَزْمَة يتبعها فَرَج، ويَعتَوِرُها عُسرٌ يتلوه يُسر. إِلى أن ٱضطرب دولاب تلك الحركة العمرانية الهائلة، وتضاءَل تيار الأخلاق الفاضلة. فكان ما كان، مما اسمّيه طوْر الكمون والافول، ولا أقول دَوْر التلاشي والزوال. وكل كَمين قَمينٌ بالظهور، وكل افول فإِلى طلوع ثم إِلى إِشراق!
تقلَّص ظل هذا الملك الوسيع، وتناقصت أطراف ذلك الرواق الممدود، فتراجع الشرق إِلى مهاده جاثمًا واجمًا، وحافظ على بيضته مدافعًا ومهاجمًا. وصبر أهلوه على خطوب الزمان صبر الكرام، وتربّصوا حتى تتصرّم أعاصير السياسة بسلام. والدنيا دول، '''«وتلك الأيّام نُداولها بين الناس»'''<noinclude></noinclude>
hfw7pxk8rt4nr0bugs6x93yugfjwewi
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/14
104
303504
607859
2026-04-21T21:19:56Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607859
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—تصد4—}}
{{rule}}</noinclude>على أن تلك الأخلاق العالية ما زالت جراثيمها كامنة في النفوس، راسخة في السجايا. وما هي إِلا هِزَّة من الٱنتعاش فتخرجها من زوايا الانكماش، وتجلوها في مظاهر الحياة الصحيحة وميدان العمل الخصيب؛ وما هي إِلا هَبَّة من أولياءِ الأمور وأهل الرأي وقادة الأفكار، ليتنبَّهَ الشرقيون من هذا الرقود الطويل، فيشهَدَ العالَمُ من فعال الأحفاد ما بهر الأبصار في أيام الأجداد، وأعني بذلك:
{{وسط|{{أكبر|تطلُّب المعالي والسير إلى الأمام…على الدوام.}}}}
{{نجمات}}
والحمد للّٰه! فقد بدَتْ تباشير البعث والنشور، وكلها مؤذنة:
{{وسط|{{أكبر|حَيَّ على خير العمل! حَيَّ على الفلاح!}}}}
{{نجمات}}
فهل أتاك حديث مولانا العبّاس
لقد جدَّد وضع الأساس، لخير أمة أخرجت للناس. إِذ نشر رايات العلم على ربوع مصر، وأعزّ دولة الأدب في هذا العصر، وقديمًا<noinclude></noinclude>
amb1png6s9c9pt2hac3vyidn6yc15y5
607860
607859
2026-04-21T21:20:08Z
JazarF
71952
607860
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>على أن تلك الأخلاق العالية ما زالت جراثيمها كامنة في النفوس، راسخة في السجايا. وما هي إِلا هِزَّة من الٱنتعاش فتخرجها من زوايا الانكماش، وتجلوها في مظاهر الحياة الصحيحة وميدان العمل الخصيب؛ وما هي إِلا هَبَّة من أولياءِ الأمور وأهل الرأي وقادة الأفكار، ليتنبَّهَ الشرقيون من هذا الرقود الطويل، فيشهَدَ العالَمُ من فعال الأحفاد ما بهر الأبصار في أيام الأجداد، وأعني بذلك:
{{وسط|{{أكبر|تطلُّب المعالي والسير إلى الأمام…على الدوام.}}}}
{{نجمات}}
والحمد للّٰه! فقد بدَتْ تباشير البعث والنشور، وكلها مؤذنة:
{{وسط|{{أكبر|حَيَّ على خير العمل! حَيَّ على الفلاح!}}}}
{{نجمات}}
فهل أتاك حديث مولانا العبّاس
لقد جدَّد وضع الأساس، لخير أمة أخرجت للناس. إِذ نشر رايات العلم على ربوع مصر، وأعزّ دولة الأدب في هذا العصر، وقديمًا<noinclude></noinclude>
s8z9anmmrvbvptsy4geifb0w41vgndl
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/15
104
303505
607861
2026-04-21T21:24:59Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607861
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>صرف همته لتوفير مصادر الثروة الطبيعية التي هي قِوام الرقيّ الصحيح. ثم بذل عنايته لإِحياء الآداب العربية، فاستحق شكر الناطقين بالضاد وبغير الضاد، وخلّد الكرام الكاتبون ذلك الفضل في صحيفة حسناته.
وها هو ذا قد وجّه اليوم عزيمته لإعادة الأخلاق إلى نصابها القديم وصراطها المستقيم، لعلمه أن '''الأمم بالاخلاق'''.
ولقد وفقه اللّٰه في مسعاه.
فكان له من رجالاته، خير معوان على تنفيذ مقاصده وتحقيق رغباته. وأخصهم وزيره الاكبر صاحب العطوفة '''محمد سعيد''' باشا، وعضده الايمن في عمله الميمون ذو السعادة '''أحمد حشمت''' باشا ناظر المعارف العمومية.
أَحسَّ هذا الوزير العصاميّ العباسيّ بحاجة النشء ورجال
الغد إلى كتاب يجمع بين دفَّتيه تهذيب الطباع ومَلَكة الفصاحة في آن واحد. فلم ير أَفضل لبلوغ هذه الغاية المزدوجة من كتابَيْ «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لعبد اللّٰه<noinclude></noinclude>
conljknk1sguike34xcmpvq78n83qex
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/16
104
303506
607862
2026-04-21T21:30:06Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607862
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>'''ٱبن المقفع'''، أمير البلغاء بلا نكير، وسيد الحكماءِ ولا جدال. فقرّر تدريسه في المدارس المصرية ليشبَّ النشءُ على الحكمة والأدب وتنطبعَ نفوسهم الرطبة على مكارم الأخلاق منذ نعومة الأظفار. هذا إِلى ٱعتياد التراكيب الفخْمة والأساليب الجزْلة، مع جمال التقسيم في عرض الأفكار وصياغتها في قالَب الإِبداع.
{{نحمات}}
والآن أتقدّم بين يدَيْ أهل الأدب بهذا الكنز الكبير،
کتاب «'''الأدب الصغير'''»، بعد أن صرفتُ نهاية الجهد في حسن تقسيمه، والتدقيق في تحقيق كلماته وتفسير غوامضه وضبط حروفه بالشكل الكامل: معتمداً على علمي القليل وٱطلاعي اليسير مع مراجعة الامّهات والمظانّ في كل حرف من حروفه، بغاية ما وسعته الطاقة ووصل إِليه الإِمكان. '''ولا يعرِف الشوق إلا من يكُابده'''
ولست أغمط أحدًا فضله. فان البحاثة الشيخ طاهرًا الجزائري هو أول من وفقه اللّٰه للعثور على نسخة سقيمة من هذا الكتاب<noinclude></noinclude>
1wwrap5lcj5spq4b9r2zy2jrbof4ag8
607863
607862
2026-04-21T21:30:18Z
JazarF
71952
607863
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>'''ٱبن المقفع'''، أمير البلغاء بلا نكير، وسيد الحكماءِ ولا جدال. فقرّر تدريسه في المدارس المصرية ليشبَّ النشءُ على الحكمة والأدب وتنطبعَ نفوسهم الرطبة على مكارم الأخلاق منذ نعومة الأظفار. هذا إِلى ٱعتياد التراكيب الفخْمة والأساليب الجزْلة، مع جمال التقسيم في عرض الأفكار وصياغتها في قالَب الإِبداع.
{{نجمات}}
والآن أتقدّم بين يدَيْ أهل الأدب بهذا الكنز الكبير،
کتاب «'''الأدب الصغير'''»، بعد أن صرفتُ نهاية الجهد في حسن تقسيمه، والتدقيق في تحقيق كلماته وتفسير غوامضه وضبط حروفه بالشكل الكامل: معتمداً على علمي القليل وٱطلاعي اليسير مع مراجعة الامّهات والمظانّ في كل حرف من حروفه، بغاية ما وسعته الطاقة ووصل إِليه الإِمكان. '''ولا يعرِف الشوق إلا من يكُابده'''
ولست أغمط أحدًا فضله. فان البحاثة الشيخ طاهرًا الجزائري هو أول من وفقه اللّٰه للعثور على نسخة سقيمة من هذا الكتاب<noinclude></noinclude>
4kjz61t4wv0zbke5wru51fzhvx3ml8h
607864
607863
2026-04-21T21:30:46Z
JazarF
71952
607864
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>'''ٱبن المُقَفّع'''، أمير البلغاء بلا نكير، وسيد الحكماءِ ولا جدال. فقرّر تدريسه في المدارس المصرية ليشبَّ النشءُ على الحكمة والأدب وتنطبعَ نفوسهم الرطبة على مكارم الأخلاق منذ نعومة الأظفار. هذا إِلى ٱعتياد التراكيب الفخْمة والأساليب الجزْلة، مع جمال التقسيم في عرض الأفكار وصياغتها في قالَب الإِبداع.
{{نجمات}}
والآن أتقدّم بين يدَيْ أهل الأدب بهذا الكنز الكبير،
کتاب «'''الأدب الصغير'''»، بعد أن صرفتُ نهاية الجهد في حسن تقسيمه، والتدقيق في تحقيق كلماته وتفسير غوامضه وضبط حروفه بالشكل الكامل: معتمداً على علمي القليل وٱطلاعي اليسير مع مراجعة الامّهات والمظانّ في كل حرف من حروفه، بغاية ما وسعته الطاقة ووصل إِليه الإِمكان. '''ولا يعرِف الشوق إلا من يكُابده'''
ولست أغمط أحدًا فضله. فان البحاثة الشيخ طاهرًا الجزائري هو أول من وفقه اللّٰه للعثور على نسخة سقيمة من هذا الكتاب<noinclude></noinclude>
cft68lh6tx1zyic35c9p3j06b4hmwvo
607865
607864
2026-04-21T21:31:00Z
JazarF
71952
607865
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>'''ٱبن المُقَفّع'''، أمير البلغاء بلا نكير، وسيد الحكماءِ ولا جدال. فقرّر تدريسه في المدارس المصرية ليشبَّ النشءُ على الحكمة والأدب وتنطبعَ نفوسهم الرطبة على مكارم الأخلاق منذ نعومة الأظفار. هذا إِلى ٱعتياد التراكيب الفخْمة والأساليب الجزْلة، مع جمال التقسيم في عرض الأفكار وصياغتها في قالَب الإِبداع.
{{نجمات}}
والآن أتقدّم بين يدَيْ أهل الأدب بهذا الكنز الكبير،
کتاب «'''الأدب الصغير'''»، بعد أن صرفتُ نهاية الجهد في حسن تقسيمه، والتدقيق في تحقيق كلماته وتفسير غوامضه وضبط حروفه بالشكل الكامل: معتمدًا على علمي القليل وٱطلاعي اليسير مع مراجعة الامّهات والمظانّ في كل حرف من حروفه، بغاية ما وسعته الطاقة ووصل إِليه الإِمكان. '''ولا يعرِف الشوق إلا من يكُابده'''
ولست أغمط أحدًا فضله. فان البحاثة الشيخ طاهرًا الجزائري هو أول من وفقه اللّٰه للعثور على نسخة سقيمة من هذا الكتاب<noinclude></noinclude>
o5j87wrgq1skjzkeggbv56tlcpr0nw9
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/17
104
303507
607866
2026-04-21T21:34:58Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607866
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>بمدينة '''بعلبكّ'''، فنسخها كما هي، وعلى عَجَل كما يقول، ثم استعان بالنقادة محمد افندي كردعلي الدمشقي فنشرها في مجلته العربية الطائرة الصيت، أيام كان يصدر «'''المُقْتَبَس'''» بمدينة القاهرة. فجاءَت وفيها شيءٌ كثير من أوجه النقص لعدم وجود نسخة ثانية للتصحيح، ولعدم تيسر الوقت الكافي للعناية بها كما هي أهله.
ولقد ٱستخدمتُها ورجعت إليها في بعض الكلمات. فلصاحبيها فضل السبق ولهما نصيبٌ من الشكر.
واللّٰه المسؤُول أن يوفقنا وإياهما وسائر أهل الأدب، للتعاون على إحياءِ مآثر العرب.
{{أكبر|{{وسط|أحمد زكي}}}}<noinclude></noinclude>
j15nzbuq7klra5jm0is5f56d0mg03rq
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/18
104
303508
607867
2026-04-21T21:38:46Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607867
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>{{أكبر-1|نظرة سريعة}}
{{أكبر|في تحرير الادب الصغير}}
من تصفح هذا الكتاب — ولو بأدنى امعان — يرى ثلاثة أمور تكاد تكون من البديهيات:
١- ان اسلوبه مستمد من الروح الفياضة السارية في كتاب «كليلة ودمنة»؛
۲- انه يمتاز بزيادة المتانة في التركيب والبراعة في التعبير. لان ابن المقفع كان هنا مؤلفاً وناقلا، وأما في كتاب الفيلسوف الهندي فكان
مترجماً ومفسراً؛
٣- ان ابن المقفع نقل هنا عن نفسه من كتاب «كليلة
ودمنة» حروفاً من الحكم والامثال، فجاء ذلك مصداقاً لقوله في فاتحة «الادب الصغير: وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا فيها عون على عمارة القلوب وقالها وتجلية أبصارها واقامة
للتدبير ودليل على محامد الامور ومكارم الاخلاق» (ص ۱۱).
{{nop}}<noinclude></noinclude>
g6v6bfvz3vandlno3nscs984idfvfcr
607868
607867
2026-04-21T21:39:10Z
JazarF
71952
607868
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>{{وسط|{{أكبر-1|نظرة سريعة}}}}
{{وسط|{{أكبر|في تحرير الادب الصغير}}}}
من تصفح هذا الكتاب — ولو بأدنى امعان — يرى ثلاثة أمور تكاد تكون من البديهيات:
١- ان اسلوبه مستمد من الروح الفياضة السارية في كتاب «كليلة ودمنة»؛
۲- انه يمتاز بزيادة المتانة في التركيب والبراعة في التعبير. لان ابن المقفع كان هنا مؤلفاً وناقلا، وأما في كتاب الفيلسوف الهندي فكان
مترجماً ومفسراً؛
٣- ان ابن المقفع نقل هنا عن نفسه من كتاب «كليلة
ودمنة» حروفاً من الحكم والامثال، فجاء ذلك مصداقاً لقوله في فاتحة «الادب الصغير: وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا فيها عون على عمارة القلوب وقالها وتجلية أبصارها واقامة
للتدبير ودليل على محامد الامور ومكارم الاخلاق» (ص ۱۱).
{{nop}}<noinclude></noinclude>
0trmb5rr1vjgic3avnqwgu0djiu658x
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/19
104
303509
607869
2026-04-21T21:43:01Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'هذا فضلا عن نقله عن مصنفات أخرى. ولكنه عند اقتباسه كلامه عن كتابه الذي سارت به الركبان، وبقي الى الآن أجمل مثال للبلاغة والفصاحة، قد اختصر أو أطال أو غير بعض الاوضاع، كما هو شأن الجهابذة من أرباب الاقلام. واعلم أن اختلاف العبارات الواحدة في «كليلة ودمنة» وفي...'
607869
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>هذا فضلا عن نقله عن مصنفات أخرى. ولكنه عند اقتباسه
كلامه عن كتابه الذي سارت به الركبان، وبقي الى الآن أجمل مثال للبلاغة والفصاحة، قد اختصر أو أطال أو غير بعض الاوضاع، كما هو شأن الجهابذة من أرباب الاقلام.
واعلم أن اختلاف العبارات الواحدة في «كليلة ودمنة» وفي «الأدب الصغير» يدلنا ايضاً على صدق ما قاله المحققون وما نشهده باعيننا من تخالف النسخ الباقية من «كليلة ودمنة»، لكثرة تداول الناس لها واعتمال الايدي فيها. والذي ظهر لنا ان النسخة التي عني بطبعها الاب الفاضل لويس شيخو اليسوعي هى (مع ما فيها ايضاً) أقرب النسخ المعروفة الآن الى الاصل الاول. ومصداق ذلك انها مطابقة كثيراً للعبارات التي نقلها ابن المقفع نفسه في «الادب الصغير».
ولعدم الاطالة أكتفي بإيراد شواهد ثلاثة:
الشاهد الاول - العبارة الواردة في «الأدب الصغير» (ص ٦٩ س ۱ - ۹)
يقابلها في «كليلة ودمنة» في طبعة الاب شيخو سنة ١٩٠٥ م ما نصه:
«فان العقلاء والكرام يبتغون الى كل معروف وصلة وسبيلا. والمودة بين الصالحين سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومثل ذلك مثل<noinclude></noinclude>
qtl644h0d3osjnnbf6ql7qyhshyhgcx
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/20
104
303510
607870
2026-04-21T21:47:47Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'الكوز الذهب الذي هو بطي الانكسار هين الاعادة والاصلاح ان اصابه كسر. والمودة بين الاشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها كالكوز من الفخار يكسره ادنى عيب ثم لا وصل له ابداً. والكريم يود الكريم على لقاء واحد أو معرفة يوم واللئيم لا يصل احداً الا عن رهبة أو رغبة.» (صفح...'
607870
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>الكوز الذهب الذي هو بطي الانكسار هين الاعادة والاصلاح ان
اصابه كسر. والمودة بين الاشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها كالكوز
من الفخار يكسره ادنى عيب ثم لا وصل له ابداً. والكريم يود الكريم
على لقاء واحد أو معرفة يوم واللئيم لا يصل احداً الا عن رهبة أو رغبة.» (صفحة ١٢٩)
ويقابلها في الطبعة الاولى ببولاق سنة ١٢٨٥ هـ المنقولة ببعض زيادات ونقص عن أول طبعة ظهرت في العالم بعناية العلامة البارون سلڤستر دوساسي الفرنسي في سنة ١٨١٦م ما نصه
«فان العقلاء الكرام لا يبتغون على معروف جزاء والمودة بين
الصالحين سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومثل ذلك مثل الكوز الذهب
بطيء الانكسار سريع الاعادة هين الاصلاح ان اصابه ثلم او كسر والمودة
بين الاشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها ومثل ذلك مثل الكوز
الفخار سريع الانكسار ينكسر من ادنى عيب ولا وصل له ابداً والكريم
يود الكريم والئيم لا يود أحداً الا عن رغبة أو رهبة». (صفحة ١١٠)
الشاهد الثاني - العبارة الواردة في «الادب الصغير» (ص ۷۳ س ١٠ وص ٧٤ س ١) يقابلها في طبعة الاب شيخو ما نصه:
{{nop}}<noinclude></noinclude>
p9jl7i28eiqg4mabf8ja8tjec360eqf
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/21
104
303511
607871
2026-04-21T21:53:50Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607871
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>«ان العلم لا يتم الا بالعمل وانما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به وان لم يستعمل ما يعلم فليس يسمى عالماً ولو ان رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به سمي جاهلا ولعله أن يكون قد حاسب نفسه وجدها قد ركبت أهواء هجمت بها فيما هو أعرف بضررها فيه وأداها من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي قد عرفه ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي ان يعمل بما جربه هو أو أعلمه به غيره كان كالمريض العالم برديء الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله ثم يحمله الشره على اكل رديئه وترك ما هو أقرب الى النجاة والتخلص من علته. (ص ۷۳)
ويقابلها في طبعة بولاق المذكورة ما نصه:
ان العلم لا يتم الا بالعمل وانما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع وان لم يستعمل ما يعلم فلا يسمى عالماً. ولو ان رجلا....الخ.»
الشاهد الثالث - العبارة الواردة في «الادب الصغير» (ص ۷۷ س ۷ - ۸ وص و۷۸ س ١) يقابلها في طبعة الاب شيخو ما نصه:
ما يزال الرجل مستمراً ما لم يعثر فاذا عثر مرة في أرض خبار لجّ به العثر وان مشى في جدد» (ص ١٤١)
ويقابلها في طبعة بولاق ما نصه:<noinclude></noinclude>
1wb3bo35bro0rz3lx1umnaw8pzw3wi2
607872
607871
2026-04-21T21:54:36Z
JazarF
71952
607872
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>«ان العلم لا يتم الا بالعمل وانما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به وان لم يستعمل ما يعلم فليس يسمى عالماً ولو ان رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به سمي جاهلا ولعله أن يكون قد حاسب نفسه وجدها قد ركبت أهواء هجمت بها فيما هو أعرف بضررها فيه وأداها من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي قد عرفه ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي ان يعمل بما جربه هو أو أعلمه به غيره كان كالمريض العالم برديء الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله ثم يحمله الشره على اكل رديئه وترك ما هو أقرب الى النجاة والتخلص من علته. (ص ۷۳)
ويقابلها في طبعة بولاق المذكورة ما نصه:
ان العلم لا يتم الا بالعمل وانما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع وان لم يستعمل ما يعلم فلا يسمى عالماً. ولو ان رجلا....الخ.»
الشاهد الثالث - العبارة الواردة في «الادب الصغير» (ص ۷۷ س ۷ - ۸ وص و۷۸ س ١) يقابلها في طبعة الاب شيخو ما نصه:
ما يزال الرجل مستمراً ما لم يعثر فاذا عثر مرة في أرض خبار لجّ به العثر وان مشى في جدد» (ص ١٤١)
ويقابلها في طبعة بولاق ما نصه:
{{nop}}<noinclude></noinclude>
qca7ij8iswpa6sbu394ih1a6q2npmym
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/22
104
303512
607873
2026-04-21T22:08:55Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607873
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>«لا يزال الانسان مستمراً في اقباله ما لم يعثر فاذا عثر لج به العثار وان مشى في جدد الارض.» (ص ۱۱۸)
هذا. ويظهر ان ابن المقفع قد نقل في بعض المواضع عن حكيم او كتاب ولم يشر اليه مراعاة للاسلوب الذي اعتمده من الأول للآخر، ثم عاد فنقل عنه مستعملا لفظة: «وقال» كانه سبق له ذكره. ترى ذلك في صفحات ٤٥ و٤٧ و٤٩ و٥١ و٥٢. وقد يستعمل هاتين العبارتين: «كان يقال» (ص٣٢ و٦٥ و٧٢) و«وسمعت العلماء قالوا » (ص ۷۳).
وفوق ذلك فهناك نُقولٌ أخرى يتيسر الاهتداء اليها لكل من يتعاطى صناعة الادب او يعالج كتب العرب
اما مقدمة «الأدب الصغير» من صفحة ٥ الى صحة ١٢ فهي
من بدائع ابن المقفع: أملاها عقله الفياض على قلمه السيال فجاءت كالماء الزلال بل كالسحر الحلال؝
{{وسط|أحمد زكي}}<noinclude></noinclude>
bavxfxa4fuqxs2csjr4shhyom02ebjv
607874
607873
2026-04-21T22:09:15Z
JazarF
71952
607874
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>«لا يزال الانسان مستمراً في اقباله ما لم يعثر فاذا عثر لج به العثار وان مشى في جدد الارض.» (ص ۱۱۸)
هذا. ويظهر ان ابن المقفع قد نقل في بعض المواضع عن حكيم او كتاب ولم يشر اليه مراعاة للاسلوب الذي اعتمده من الأول للآخر، ثم عاد فنقل عنه مستعملا لفظة: «وقال» كانه سبق له ذكره. ترى ذلك في صفحات ٤٥ و٤٧ و٤٩ و٥١ و٥٢. وقد يستعمل هاتين العبارتين: «كان يقال» (ص٣٢ و٦٥ و٧٢) و«وسمعت العلماء قالوا » (ص ۷۳).
وفوق ذلك فهناك نُقولٌ أخرى يتيسر الاهتداء اليها لكل من يتعاطى صناعة الادب او يعالج كتب العرب
اما مقدمة «الأدب الصغير» من صفحة ٥ الى صفحة ١٢ فهي
من بدائع ابن المقفع: أملاها عقله الفياض على قلمه السيال فجاءت كالماء الزلال بل كالسحر الحلال؝
{{وسط|أحمد زكي}}<noinclude></noinclude>
qzx4ism70004mqtgzmc2gig1xke71gz
607875
607874
2026-04-21T22:09:33Z
JazarF
71952
607875
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" /></noinclude>«لا يزال الانسان مستمراً في اقباله ما لم يعثر فاذا عثر لج به العثار وان مشى في جدد الارض.» (ص ۱۱۸)
هذا. ويظهر ان ابن المقفع قد نقل في بعض المواضع عن حكيم او كتاب ولم يشر اليه مراعاة للاسلوب الذي اعتمده من الأول للآخر، ثم عاد فنقل عنه مستعملا لفظة: «وقال» كانه سبق له ذكره. ترى ذلك في صفحات ٤٥ و٤٧ و٤٩ و٥١ و٥٢. وقد يستعمل هاتين العبارتين: «كان يقال» (ص٣٢ و٦٥ و٧٢) و«وسمعت العلماء قالوا » (ص ۷۳).
وفوق ذلك فهناك نُقولٌ أخرى يتيسر الاهتداء اليها لكل من يتعاطى صناعة الادب او يعالج كتب العرب
اما مقدمة «الأدب الصغير» من صفحة ٥ الى صفحة ١٢ فهي
من بدائع ابن المقفع: أملاها عقله الفياض على قلمه السيال فجاءت كالماء الزلال بل كالسحر الحلال؝
{{وسط|{{أكبر|أحمد زكي}}}}<noinclude></noinclude>
71s0jdguwsxkblynii08l0ircxxu0on
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/24
104
303513
607876
2026-04-21T22:10:36Z
JazarF
71952
/* بدون نص */
607876
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" />{{وسط|—٢—}}
{{rule}}</noinclude><noinclude></noinclude>
0j8cslthfxlbkq7eqg0zgovkzyyad4h
607877
607876
2026-04-21T22:10:48Z
JazarF
71952
إفراغ الصفحة
607877
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" /></noinclude><noinclude></noinclude>
3a5un016j4mz4iegs6hsv4h5is8p0it
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/41
104
303514
607878
2026-04-22T00:37:17Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607878
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—١٩—}}
{{rule}}</noinclude>الْعُلَمَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ صُحْبَةِ لَبِيبٍ نَشَأَ مَعَ ٱلْجُهَّالِ.
{{نجمات}}
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَحْزَنَ عَلَى شَيْءٍ فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا أَوْ تَوَلَّى، وأَنْ يُنْزِلَ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ ٱنْقَطَعَ عَنْهُ مَنْزِلَةَ مَا لَمْ يُصِبْ، وَيُنْزِلَ ما طَلَبَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْهُ مَنْزِلَةَ مَا لَمْ يَطلُبْ. وَلَا يَدَعُ حَظَّهُ مِنَ السُّرُورِ بِمَا أَقْبَلَ مِنْهَا، ولَا يَبْلُغَنَّ ذَلِكَ سُكْرًا وَلَا طُغْيَانًا. فإِنَّ مَعَ السُّكْرِ النِّسْيَانَ، ومَعَ الطُّغْيانِ التَّهَاوُنَ، ومَن نَسِيَ وتَهَاوَنَ، خَسَرَ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعَاقِلِ أَنْ يُؤْنِسَ ذَوِي الْأَلْبَابِ بِنَفْسِهِ ويُجَرِّئَهُمْ عَلَيْهَا حَتَّى يَصِيرُوا حَرَسًا عَلَى سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ورَأْيِهِ: فَيَسْتَنِيمَ إِِلى ذَلِكَ وَيُرِيحَ لَهُ قَلْبَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُمْ لاَ يَغْفُلُونَ عَنْهُ إِذا<noinclude></noinclude>
ez2ekff2fv4d7vubsmahfi498atw7oq
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/42
104
303515
607879
2026-04-22T00:44:36Z
JazarF
71952
/* صححت */ أنشأ الصفحة ب'هُوَ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ. {{نجمات}} وَعَلَى الْعَاقِلِ — مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى نَفْسِهِ — أَنْ لَا يَشْغَلَهُ شَغَلُ عَنْ أَرْبَعِ ساعات: سَاعَةٍ يَرْفَعُ فِيهَا حَاجَتَهُ إِلى رَبِّهِ، وَسَاعَةٍ يحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وسَاعَةٍ يُفْضِي فِ...'
607879
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٠—}}
{{rule}}</noinclude>هُوَ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ.
{{نجمات}}
وَعَلَى الْعَاقِلِ — مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى نَفْسِهِ — أَنْ لَا
يَشْغَلَهُ شَغَلُ عَنْ أَرْبَعِ ساعات: سَاعَةٍ يَرْفَعُ فِيهَا حَاجَتَهُ إِلى
رَبِّهِ، وَسَاعَةٍ يحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وسَاعَةٍ يُفْضِي فِيهَا إِلى
إِخْوَانِهِ وَثِقَاتِهِ الَّذِينَ {{غلط|يَصْدُقُّونَهُ|يَصْدُقُونَهُ}} عَنْ عُيُوبِهِ وَيَنْصَحُونَهُ فِي
أَمْرِهِ، وَسَاعَةٍ يُخْلِي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا مِمَّا يَحِلُّ
وَيَجْمُلُ. فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ عَلَى السَّاعَاتِ الْأُخَرِ، وَإِنَّ
ٱسْتِجْمَامَ<ref>اي استراحتها</ref> القُلُوبِ وَتَوْدِيعَهَا<ref>اي تركها مستقرة مطمئنة</ref> زِيادَةُ قُوَّةٍ لَهَا وفَضْلُ بُلْغَةٍ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعاقِل انْ لا يَكُونَ رَاغِبًا إلَّا في إِحْدَى ثَلَاثٍ:
{{nop}}<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
hpjm7spip6pd1y93kdlnq4gb61vwpwe
607880
607879
2026-04-22T00:45:35Z
JazarF
71952
607880
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٠—}}
{{rule}}</noinclude>هُوَ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ.
{{نجمات}}
وَعَلَى الْعَاقِلِ — مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى نَفْسِهِ — أَنْ لَا
يَشْغَلَهُ شَغَلُ عَنْ أَرْبَعِ ساعات: سَاعَةٍ يَرْفَعُ فِيهَا حَاجَتَهُ إِلى
رَبِّهِ، وَسَاعَةٍ يحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وسَاعَةٍ يُفْضِي فِيهَا إِلى
إِخْوَانِهِ وَثِقَاتِهِ الَّذِينَ {{غلط|يَصْدُقُّونَهُ|يَصْدُقُونَهُ}} عَنْ عُيُوبِهِ وَيَنْصَحُونَهُ فِي
أَمْرِهِ، وَسَاعَةٍ يُخْلِي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا مِمَّا يَحِلُّ
وَيَجْمُلُ. فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ عَلَى السَّاعَاتِ الْأُخَرِ، وَإِنَّ
ٱسْتِجْمَامَ<ref>اي استراحتها</ref> القُلُوبِ وَتَوْدِيعَهَا<ref>اي تركها مستقرة مطمئنة</ref> زِيادَةُ قُوَّةٍ لَهَا وفَضْلُ بُلْغَةٍ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعاقِل انْ لا يَكُونَ رَاغِبًا إلَّا في إِحْدَى ثَلَاثٍ:<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
ovihiyyb0ajnukjrc0cpbv280ts3ddc
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/43
104
303516
607884
2026-04-22T00:51:40Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607884
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢١—}}
{{rule}}</noinclude>تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ في غَيْرِ مَحْرَمٍ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ طَبَقَتَيْنِ مُتَبَابِنَتَيْنِ،
وَيَلْبَسَ لَهُمْ لِبَاسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: فَطَبَقَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ،
يَلْبَسُ لَهُمْ لِبَاسَ ٱنْقِبَاض وٱنْحِجازٍ وتَحَفُّظٍ في كُلِّ كَلِمَةٍ
وَخَطوَةٍ؛ وَطَبَقَةٌ مِنَ الْخَاصةِ، يَخْلَعُ عِنْدَهُمْ لِبَاسَ التَّشَدُّدِ
ويَلْبَسُ لِبَاسَ الْأَنَسَةِ واللَّطَّفَةِ والْبِذْلَةِ وَالْمُفَاوَضَةِ. وَلَا
يُدْخِلُ في هَذِهِ الطَّبَقَةِ إِلَّا وَاحِدًا مِنَ الْأَلْفِ وَكُلُّهُمْ ذُو
فَضْل في الرَّأْيِ، وثِقَةٍ في الْمَوَدَّةِ ، وَأَمَانَةٍ يى السِّرِّ، ووَفاءٍ بالْاِخاءِ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعَاقل أنْ لا يَسْتَصْغِرَ شَيْئًا مِنَ الخَطَاءِ في الرَّأْي،<noinclude></noinclude>
kgc1y0z81nwcna9wrb15pr13wmnpbc7
607885
607884
2026-04-22T00:53:15Z
JazarF
71952
607885
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢١—}}
{{rule}}</noinclude>تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ في غَيْرِ مَحْرَمٍ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ طَبَقَتَيْنِ مُتَبَابِنَتَيْنِ،
وَيَلْبَسَ لَهُمْ لِبَاسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: فَطَبَقَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ،
يَلْبَسُ لَهُمْ لِبَاسَ ٱنْقِبَاض وٱنْحِجازٍ وتَحَفُّظٍ في كُلِّ كَلِمَةٍ
وَخَطوَةٍ؛ وَطَبَقَةٌ مِنَ الْخَاصةِ، يَخْلَعُ عِنْدَهُمْ لِبَاسَ التَّشَدُّدِ
ويَلْبَسُ لِبَاسَ الْأَنَسَةِ واللَّطَّفَةِ والْبِذْلَةِ وَالْمُفَاوَضَةِ. وَلَا
يُدْخِلُ في هَذِهِ الطَّبَقَةِ إِلَّا وَاحِدًا مِنَ الْأَلْفِ وَكُلُّهُمْ ذُو
فَضْل في الرَّأْيِ، وثِقَةٍ في الْمَوَدَّةِ ، وَأَمَانَةٍ في السِّرِّ، ووَفاءٍ بالْاِخاءِ.
{{نجمات}}
وعَلى الْعَاقل أنْ لا يَسْتَصْغِرَ شَيْئًا مِنَ الخَطَاءِ في الرَّأْي،<noinclude></noinclude>
bbba2sa0ifrvg7l5768da3i7ipsiekh
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/44
104
303517
607886
2026-04-22T01:06:15Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607886
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٢—}}
{{rule}}</noinclude>والزَّلَلِ في الْعِلْمِ، والْإِغْفَالِ فِي الْأُمُورِ، فَإِنَّهُ مَنِ ٱسْتَصْغَرَ الصَّغِيرَ أَوْشَكَ أَنْ يَجْمَعَ إِلَيْهِ صَغِيرًا وصَغِيرًا ، فَإِذَا الصَّغِيرُ كَبِيرٌ. وإِنَّما هِيَ ثُلَمٌ يَثْلِمُهَا الْعَجْزُ والتَّضْيِيعُ فَإِذَا لَمْ تُسَدَّ أَوْشَكَتْ أَنْ تَتَفَجَّرَ بِما لَا يُطَاقُ. وَلَمْ نَرَ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا قَدْ أُوتِيَ مِنْ قِبَلِ الصَّغِيرِ الْمُتَهاوَن بِهِ: قَدْ رَأَيْنَا الْمُلْكَ يُؤْتَى مِنَ الْعَدُوِّ الْمُحْتَقَرَ بِهِ، ورَأَيْنَا الصِّحَةَ تُؤْتى مِنَ الدَّاءِ الَّذِي لَا يُحْفَلُ بِهِ، ورَأَيْنَا الأَنْهارَ تَنْبَثِقُ مِنَ الْجَدْوَلِ الَّذِي يُسْتَخَفُّ بِهِ.
وأَقَلُّ الأُمُورِ ٱحْتِمالًا لِلضَّيَاعِ الْمُلْكُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَضِيعُ — وإِنْ كانَ صَغِيرًا — إِلَّا ٱتَّصَلَ بِآخَرَ يَكُونُ عَظِيمًا.
{{نجمات}}
وعَلى الْعاقلِ أَنْ يَجْبُنَ عَنِ الْمُضِيِّ عَلَى الرَأَي الَّذِي لَا<noinclude></noinclude>
8kpdoocq72owe3uvg1msc6dp3fmjhzq
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/45
104
303518
607887
2026-04-22T01:32:54Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607887
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٣—}}
{{rule}}</noinclude>يَجِدُ عَلَيْهِ مُوَافِقًا، وإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلَى الْيَقِينِ.
وعَلى الْعاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الرَّأْي والْهَوَى مُتَعَادِيانِ، وأَنَّ مِنْ شَأن. النَّاسِ تَسْوِيفِ الرَّأْيِ وإِسْعافُ الْهَوَى. فَيُخالِفُ ذَلِكَ ويَلْتَمِسُ أَنْ لَا يَزَالَ هَوَاهُ مُسَوَّفًا ورَأَيُهُ مُسْعَفًا.
وعَلى الْعَاقِلِ إِذَا ٱشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ فَلَمْ يَدْرِ في أَيِّهِمَا الصَّوَابُ أَنْ يَنْظُرَ أَهْوَاهُمَا عِنْدَهُ، فَيَحْذَرَهُ.
{{نجمات}}
ومَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمامًا في الدِّينِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ وتَقْوِيمِها في السِّيرَةِ والطُّعْمَةِ<ref>اي وجه المكسب. يقال: فلان عنيف الطعمة. اي نقي المكسب</ref> والرَّأْيِ واللَّفْظِ والْأَخْدَانِ. فَيَكُونَ تَعْلِيمُهُ بِسِيرَتِهِ أَبْلَغَ {{غلط|مِنَ|مِنْ}} تَعْلِيمِهِ بِلِسانِهِ. فإِنَّهُ كَما أَنَّ كَلَامَ الْحِكْمَةِ يُونِقُ الأَسْماعَ، فَكَذَلِكَ عَمَلُ<noinclude></noinclude>
3jpfnof0mx87pu74tfwk21repi6xm6w
607888
607887
2026-04-22T01:33:15Z
JazarF
71952
607888
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٣—}}
{{rule}}</noinclude>يَجِدُ عَلَيْهِ مُوَافِقًا، وإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلَى الْيَقِينِ.
وعَلى الْعاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الرَّأْي والْهَوَى مُتَعَادِيانِ، وأَنَّ مِنْ شَأن. النَّاسِ تَسْوِيفِ الرَّأْيِ وإِسْعافُ الْهَوَى. فَيُخالِفُ ذَلِكَ ويَلْتَمِسُ أَنْ لَا يَزَالَ هَوَاهُ مُسَوَّفًا ورَأَيُهُ مُسْعَفًا.
وعَلى الْعَاقِلِ إِذَا ٱشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ فَلَمْ يَدْرِ في أَيِّهِمَا الصَّوَابُ أَنْ يَنْظُرَ أَهْوَاهُمَا عِنْدَهُ، فَيَحْذَرَهُ.
{{نجمات}}
ومَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمامًا في الدِّينِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ وتَقْوِيمِها في السِّيرَةِ والطُّعْمَةِ<ref>اي وجه المكسب. يقال: فلان عنيف الطعمة. اي نقي المكسب</ref> والرَّأْيِ واللَّفْظِ والْأَخْدَانِ. فَيَكُونَ تَعْلِيمُهُ بِسِيرَتِهِ أَبْلَغَ {{غلط|مِنَ|مِنْ}} تَعْلِيمِهِ بِلِسانِهِ. فإِنَّهُ كَما أَنَّ كَلَامَ الْحِكْمَةِ يُونِقُ الأَسْماعَ، فَكَذَلِكَ عَمَلُ<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
8i3vly4yztddlvakny79y8ipt0qwchm
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/46
104
303519
607889
2026-04-22T01:43:15Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607889
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٤—}}
{{rule}}</noinclude>الحكمَةِ يَرُوقُ الْعُيُونَ وَالْقُلُوبَ. ومُعَلِّمُ نَفْسِهِ ومُؤَدِّبُها أَحَقُّ
بالإِجْلَال والتَّفْضيلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومؤَدِّبِهِمْ.
{{نجمات}}
وِلَايةُ الناسِ بلاءٌ عَظيمٌ. وعَلَى الْوَالِي ارْبَع خِصال هِيَ
أَعْمِدَةُ السُّلطَانِ وأَرْكانُهُ الَّتِي بهِا يَقُومُ وعَلَيْها يَثْبُتُ:
أَلاجْتِهادُ في التَّخَيُّرِ، والْمُبالَغَةُ في التقَدُّمِ، والتَّعَهُّدُ الشَّدِيدُ، والْجَزَاءُ الْعَتِيدُ.
فأَمَّا التَّخَُّيرُ لِلْعُمَّالِ وَالْوُزَرَاءِ، فَإِنَّهُ نِظَامُ الْأَمْر ووَضَعُ
مَؤُونَةِ الْبَعِيدِ الْمُنْتَشِرِ. فَإِنهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بِتَخَيُّرِهِ رَجُلاً
واِحدًا قَدِ ٱخْتَارَ أَلْفًا. لأَنَّهُ مَنْ كانَ مِنَ الْعُمَّالِ خِيَارًا
فَسَيخْتارُ كَمَا ٱخْتِيرَ. ولَعَلَّ عُمَّالَ الْعَامِلِ وعُمَّالَ عُمَّالِهِ يَبْلُغُون
عَدَدًا كَثِيرًا، فَمَنْ تَبَيَّنَ التَّخَيُّرَ فَقَدْ {{غلط|أَخَدَ|أَخَذَ}} بِسَبَبٍ وثيق،<noinclude></noinclude>
rwhji29ha8dcgw0sjb39p217e8zaa8q
607890
607889
2026-04-22T01:43:57Z
JazarF
71952
607890
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٤—}}
{{rule}}</noinclude>الحكمَةِ يَرُوقُ الْعُيُونَ وَالْقُلُوبَ. ومُعَلِّمُ نَفْسِهِ ومُؤَدِّبُها أَحَقُّ بالإِجْلَال والتَّفْضيلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومؤَدِّبِهِمْ.
{{نجمات}}
وِلَايةُ الناسِ بلاءٌ عَظيمٌ. وعَلَى الْوَالِي ارْبَع خِصال هِيَ أَعْمِدَةُ السُّلطَانِ وأَرْكانُهُ الَّتِي بهِا يَقُومُ وعَلَيْها يَثْبُتُ: أَلاجْتِهادُ في التَّخَيُّرِ، والْمُبالَغَةُ في التقَدُّمِ، والتَّعَهُّدُ الشَّدِيدُ، والْجَزَاءُ الْعَتِيدُ.
فأَمَّا التَّخَُّيرُ لِلْعُمَّالِ وَالْوُزَرَاءِ، فَإِنَّهُ نِظَامُ الْأَمْر ووَضَعُ مَؤُونَةِ الْبَعِيدِ الْمُنْتَشِرِ. فَإِنهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بِتَخَيُّرِهِ رَجُلاً واِحدًا قَدِ ٱخْتَارَ أَلْفًا. لأَنَّهُ مَنْ كانَ مِنَ الْعُمَّالِ خِيَارًا فَسَيخْتارُ كَمَا ٱخْتِيرَ. ولَعَلَّ عُمَّالَ الْعَامِلِ وعُمَّالَ عُمَّالِهِ يَبْلُغُون عَدَدًا كَثِيرًا، فَمَنْ تَبَيَّنَ التَّخَيُّرَ فَقَدْ {{غلط|أَخَدَ|أَخَذَ}} بِسَبَبٍ وَثيق،<noinclude></noinclude>
8bb8w9iwc4gx2c9einyxjo0i1iflgc8
607891
607890
2026-04-22T01:44:31Z
JazarF
71952
607891
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٤—}}
{{rule}}</noinclude>الحكمَةِ يَرُوقُ الْعُيُونَ وَالْقُلُوبَ. ومُعَلِّمُ نَفْسِهِ ومُؤَدِّبُها أَحَقُّ بالإِجْلَال والتَّفْضيلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومؤَدِّبِهِمْ.
{{نجمات}}
وِلَايةُ الناسِ بلاءٌ عَظيمٌ. وعَلَى الْوَالِي ارْبَع خِصال هِيَ أَعْمِدَةُ السُّلطَانِ وأَرْكانُهُ الَّتِي بهِا يَقُومُ وعَلَيْها يَثْبُتُ: أَلاجْتِهادُ في التَّخَيُّرِ، والْمُبالَغَةُ في التقَدُّمِ، والتَّعَهُّدُ الشَّدِيدُ، والْجَزَاءُ الْعَتِيدُ.
فأَمَّا التَّخَُّيرُ لِلْعُمَّالِ وَالْوُزَرَاءِ، فَإِنَّهُ نِظَامُ الْأَمْر ووَضَعُ مَؤُونَةِ الْبَعِيدِ الْمُنْتَشِرِ. فَإِنهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بِتَخَيُّرِهِ رَجُلاً واِحدًا قَدِ ٱخْتَارَ أَلْفًا. لأَنَّهُ مَنْ كانَ مِنَ الْعُمَّالِ خِيَارًا فَسَيخْتارُ كَمَا ٱخْتِيرَ. ولَعَلَّ عُمَّالَ الْعَامِلِ وعُمَّالَ عُمَّالِهِ يَبْلُغُون عَدَدًا كَثِيرًا، فَمَنْ تَبَيَّنَ التَّخَيُّرَ فَقَدْ {{غلط|أَخَدَ|أَخَذَ}} بِسَبَب وَثيق،<noinclude></noinclude>
rf15umevedd8z1h6yp9c6shed01qspd
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/47
104
303520
607893
2026-04-22T02:02:11Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607893
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٥—}}
{{rule}}</noinclude>ومَنْ أَسَّسَ أَمْرَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ لِبِنَائِهِ قِوَامًا<ref>القوام بكسر القاف: نظام الامر وعماده وملاكه الذي يقوم به</ref>.
وأَمَّا التَّقْدِيمُ والتَّوْكيدُ، فإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ذِي لُبِّ أَو ذي أَمانَةٍ يَعْرِفُ وُجُوهَ الْأُمُورِ والْأَعْمَالِ، وَلَوْ كَانَ بِذَلِكَ عارفًا، لَمْ يَكُنْ صاحِبُهُ حَقِيقًا أَنْ يَكِلَ ذَلِكَ إِلى عِلْمهِ دُونَ تَوْقِيفِهِ عَلَيْهِ وَتَبْيِينِهِ لَهُ والٱحْتِجاجِ عَلَيْهِ بِهِ.
وامَّا التَّعَهُّدُ، فإِنَّ الْوَالي إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، وإِن الْعامِلَ إِذَا فُعِلَ ذلِكَ بِهِ كانَ مُتَحَصِّنًا حَريزًا.
وأَمَّا الْجَزَاءُ، فإِنهُ تَثْبِيتُ الْمُحْسِنِ والرَّاحَةُ مِنَ الْمُسِيءِ.
{{نجمات}}
لا يُسْتَطَاعُ السُّلْطانُ إِلا بِالْوُزَرَاءِ والْاعوَانِ، ولَا يَنْفَعُ<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
8y3qpjnaz4u6vn1gu15j7wf7cdkb94v
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/48
104
303521
607894
2026-04-22T02:13:10Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607894
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٦—}}
{{rule}}</noinclude>الْوُزَرَاءُ إِلَّا بِالْمَوَدَّةِ والنَّصِيحَةِ، ولَا الْمَوَدَّةُ إِلَّا مَعَ الرَأْي. والْعَفَافِ.
وأَعْمَالُ السُّلْطانِ كَثِيرَةٌ، وقَلِيلٌ ما تُستَجْمَعُ الْخِصالُ الْمَحْمُودَةُ عِنْدَ أَحَدٍ. وإِنَّمَا الْوَجْهُ في ذَلِكَ والسَّبِيلُ الَّذِي بِهِ يَسْتَقِيمُ الْعَمَلُ أَنْ يَكُونَ صاحِبُ السُّلْطانِ عالِمًا بِأُمُورِ مَنْ يُرِيدُ الٱسْتِعانَةَ بِهِ، وما عِنْدَ كُلّ رَجُلٍ مِنَ الرَّأْيِ وٱلْغَنَاءِ، وما فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ. فَإِذَا ٱسْتَقَرَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ، عَنْ عِلْمِهِ وعِلْمِ مَنْ يَأْتَمِنُ، وَجَّهَ لِكُلِّ عَمَلٍ مَنْ قَدْ عَرَفَ أَنَّ عِنْدَهُ مِنَ الرَأْيِ والنَّجْدَةِ والْأَمانَةِ ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وأَنَّ ما فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ لَا يَضُرُّ بِذَلِكَ؛ ويَتَحَفَّظُ مِنْ أَنْ يُوَجِّهَ أَحَدًا وَجْهًا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلى مُرُوءَةٍ — إِنْ كانَتْ عِندَهُ — ولَا يَأْمَنُ عُيُوبَهُ وما يَكْرَهُ مِنْهُ.
{{nop}}<noinclude></noinclude>
ocxstl0o1d6tnulgfu7m7wyxniln5xx
نقاش المستخدم:نبيل عبدالوهاب جباري
3
303522
607895
2026-04-22T02:18:15Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607895
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:~2026-24532-00
3
303523
607896
2026-04-22T02:18:16Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607896
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:TehNoiceBoi
3
303524
607897
2026-04-22T02:18:18Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607897
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:فتحي الزبدي
3
303525
607898
2026-04-22T02:18:20Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607898
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:Ramat200
3
303526
607899
2026-04-22T02:18:22Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607899
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:Maryam el kamour
3
303527
607900
2026-04-22T02:18:24Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607900
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:Ibrahim AlNubani
3
303528
607901
2026-04-22T02:18:26Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607901
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:Ahmed112233445511
3
303529
607902
2026-04-22T02:18:28Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607902
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:Túrelio
3
303530
607903
2026-04-22T02:18:30Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607903
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:Nasser gaad
3
303531
607904
2026-04-22T02:18:32Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607904
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:~2026-24184-36
3
303532
607905
2026-04-22T02:18:34Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607905
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:علي شرارتي
3
303533
607906
2026-04-22T02:18:36Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607906
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:LevandeMänniska
3
303534
607907
2026-04-22T02:18:38Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607907
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:Drissi11
3
303535
607908
2026-04-22T02:18:40Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607908
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
نقاش المستخدم:Ghgh63366
3
303536
607909
2026-04-22T02:18:42Z
MenoBot
1263
مرحبا!
607909
wikitext
text/x-wiki
{{صندوق رسالة أخرى
|الصورة= [[ملف:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]
| الطراز = text-align: center; margin: 0.2em 2em;
| النص = '''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:رئيسي|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''
<div style="padding:5px; font-size:smaller; word-spacing:1ex">
[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobro došli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]] [[ويكي مصدر:سفارة|স্বাগতম]]</div>
أهلا بك في [[ويكي مصدر:عن|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.<br>
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وإرشادات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].<br>
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
}} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 02:18، 22 أبريل 2026 (ت ع م)
rlxcb30cpbuva21hyo6kcck4akceycd
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/49
104
303537
607910
2026-04-22T05:42:16Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607910
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٧—}}
{{rule}}</noinclude>ثُمَّ عَلَى الْمُلُوكِ، بَعْدَ ذَلِكَ، تَعَاهُدُ عُمالِهِمْ وَتَفَقُّدُ أُمُورِهُمْ،
حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ إِحْسانُ مُحْسِنٍ ولَا إِساءَةُ مُسيء.
ثمَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْ لَا يَتْرُكُوا مُحْسِنًا بِغَيْر جَزَاءٍ،
ولا يُقِرُّوا مُسِيئًا ولَا عاجِزًا عَلَى الْإِساءَةِ والْعَجْزِ. فَإِنَّهُمْ إِنْ
تَرَكُوا ذَلِكَ، تَهاوَنَ الْمُحْسِنُ، وَٱجْتَرَأَ الْمُسِيءُ، وفَسَدَ
الْأَمْرُ، وضاعَ العَمَلُ.
{{نجمات}}
إِقتصارُ السَّعْيِ إِبْقَاءٌ لِلْجِمَامِ<ref>اي الراحة</ref>، وفي بُعْدِ الْهِمَّةِ يَكُونُ
النّصَبُ. ومَنْ سأَلَ فَوْقَ قُدْرَتِهِ ٱسْتَحَقَّ الحِرْمانَ. وَسُوءُ حَمْلِ
الْغّنَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْفَرَحِ مَرِحًا، وسُوءُ حَمْلِ الْفَاقَةِ أَنْ
يَكُونَ عِنْدَ الطَّلَبِ شَرِهًا. وعارُ الْفَقْرِ أَهْوَنُ مِنْ عارِ الْغِنَى.<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
nywbkauolsf91xgoqj06tjn5mvtw55y
607911
607910
2026-04-22T05:42:55Z
JazarF
71952
607911
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٧—}}
{{rule}}</noinclude>ثُمَّ عَلَى الْمُلُوكِ، بَعْدَ ذَلِكَ، تَعَاهُدُ عُمالِهِمْ وَتَفَقُّدُ أُمُورِهُمْ، حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ إِحْسانُ مُحْسِنٍ ولَا إِساءَةُ مُسيء.
ثمَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْ لَا يَتْرُكُوا مُحْسِنًا بِغَيْر جَزَاءٍ، ولا يُقِرُّوا مُسِيئًا ولَا عاجِزًا عَلَى الْإِساءَةِ والْعَجْزِ. فَإِنَّهُمْ إِنْ تَرَكُوا ذَلِكَ، تَهاوَنَ الْمُحْسِنُ، وَٱجْتَرَأَ الْمُسِيءُ، وفَسَدَ الْأَمْرُ، وضاعَ العَمَلُ.
{{نجمات}}
إِقتصارُ السَّعْيِ إِبْقَاءٌ لِلْجِمَامِ<ref>اي الراحة</ref>، وفي بُعْدِ الْهِمَّةِ يَكُونُ النّصَبُ. ومَنْ سأَلَ فَوْقَ قُدْرَتِهِ ٱسْتَحَقَّ الحِرْمانَ. وَسُوءُ حَمْلِ الْغّنَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْفَرَحِ مَرِحًا، وسُوءُ حَمْلِ الْفَاقَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الطَّلَبِ شَرِهًا. وعارُ الْفَقْرِ أَهْوَنُ مِنْ عارِ الْغِنَى.<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
kl2ilsoz9009pn5cse8h1nzl5i6w08s
607912
607911
2026-04-22T05:43:30Z
JazarF
71952
607912
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٧—}}
{{rule}}</noinclude>ثُمَّ عَلَى الْمُلُوكِ، بَعْدَ ذَلِكَ، تَعَاهُدُ عُمالِهِمْ وَتَفَقُّدُ أُمُورِهُمْ، حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ إِحْسانُ مُحْسِنٍ ولَا إِساءَةُ مُسيء.
ثمَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْ لَا يَتْرُكُوا مُحْسِنًا بِغَيْر جَزَاءٍ، ولا يُقِرُّوا مُسِيئًا ولَا عاجِزًا عَلَى الْإِساءَةِ والْعَجْزِ. فَإِنَّهُمْ إِنْ تَرَكُوا ذَلِكَ، تَهاوَنَ الْمُحْسِنُ، وَٱجْتَرَأَ الْمُسِيءُ، وفَسَدَ الْأَمْرُ، وضاعَ العَمَلُ.
{{نجمات}}
إِقْتِصَارُ السَّعْيِ إِبْقَاءٌ لِلْجِمَامِ<ref>اي الراحة</ref>، وفي بُعْدِ الْهِمَّةِ يَكُونُ النّصَبُ. ومَنْ سأَلَ فَوْقَ قُدْرَتِهِ ٱسْتَحَقَّ الحِرْمانَ. وَسُوءُ حَمْلِ الْغّنَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْفَرَحِ مَرِحًا، وسُوءُ حَمْلِ الْفَاقَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الطَّلَبِ شَرِهًا. وعارُ الْفَقْرِ أَهْوَنُ مِنْ عارِ الْغِنَى.<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
s88l9kxuzu0mw3964nr0tng1j5ei14q
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/50
104
303538
607913
2026-04-22T05:49:27Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607913
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٨—}}
{{rule}}</noinclude>والحَاجَةُ مَعَ الْمحَبَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْبِغْضَةِ.
{{نجمات}}
الدُّنْيا دُوَلٌ. فَمَا كانَ لَكَ مِنْها َأتاكَ عَلى ضَعْفِكَ ، وما
كان عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ.
{{نجمات}}
إِذَا جُعِلَ الْكَلَامُ مَثَلًا، كانَ ذَلِكَ أَوْضَحَ لِلْمَنْطقِ
وأَبْيَنَ في الْمَعْنَى وآنَقَ لِلسَّمْعِ وَأَوْسَعَ لِشُعُوبُ الْحَدِيثِ.
{{نجمات}}
أَشَدُّ الْفَاقَةِ عَدَمُ الْعَقْل، واشَدُّ الوَحْدَةِ وَحْدَة اللجُوجِ.
ولَا مالَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْل، ولَا أَنِيس آنَسُ مِنَ الٱسْتِشارَةِ.
{{نجمات}}
مِمَّا يُعتَبَرُ بِهِ صَلَاحُ الصالِحِ وحُسْنُ نَظرِهِ لِلنَّاسِ،<noinclude></noinclude>
62xtzt5hk1jmfqckawnfphb3bxeu61z
607914
607913
2026-04-22T05:52:36Z
JazarF
71952
607914
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٨—}}
{{rule}}</noinclude>والحَاجَةُ مَعَ الْمحَبَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْبِغْضَةِ.
{{نجمات}}
الدُّنْيا دُوَلٌ. فَمَا كانَ لَكَ مِنْها أَتاكَ عَلى ضَعْفِكَ ، وما
كان عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ.
{{نجمات}}
إِذَا جُعِلَ الْكَلَامُ مَثَلًا، كانَ ذَلِكَ أَوْضَحَ لِلْمَنْطقِ
وأَبْيَنَ في الْمَعْنَى وآنَقَ لِلسَّمْعِ وَأَوْسَعَ لِشُعُوبُ الْحَدِيثِ.
{{نجمات}}
أَشَدُّ الْفَاقَةِ عَدَمُ الْعَقْل، واشَدُّ الوَحْدَةِ وَحْدَة اللجُوجِ.
ولَا مالَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْل، ولَا أَنِيس آنَسُ مِنَ الٱسْتِشارَةِ.
{{نجمات}}
مِمَّا يُعتَبَرُ بِهِ صَلَاحُ الصالِحِ وحُسْنُ نَظرِهِ لِلنَّاسِ،<noinclude></noinclude>
if60cr2lk3xnounayy29qodkyntzktw
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/8
104
303539
607915
2026-04-22T05:56:06Z
JazarF
71952
/* لم تصحح */ أنشأ الصفحة ب'طبع على ذمة جمعية العروة الوثقى الخيرية الاسلامية بمطبعة مدرسة محمد على الصناعيك جميع الحقوق محفوظة للجمعية'
607915
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="JazarF" /></noinclude>طبع على ذمة
جمعية العروة الوثقى الخيرية الاسلامية
بمطبعة
مدرسة محمد على الصناعيك
جميع الحقوق محفوظة للجمعية<noinclude></noinclude>
t4plkv8nmdrn2ety85bodzt6tv28blm
607916
607915
2026-04-22T05:56:25Z
JazarF
71952
607916
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="JazarF" /></noinclude>طبع على ذمة
جمعية العروة الوثقى الخيرية الاسلامية
بمطبعة
مدرسة محمد علي الصناعية
جميع الحقوق محفوظة للجمعية<noinclude></noinclude>
hnviytkkpnfg4apq1fi1tvl58c787dq
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/102
104
303540
607917
2026-04-22T06:17:50Z
JazarF
71952
/* بدون نص */
607917
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" /></noinclude><noinclude></noinclude>
3a5un016j4mz4iegs6hsv4h5is8p0it
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/103
104
303541
607918
2026-04-22T06:18:01Z
JazarF
71952
/* بدون نص */
607918
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" /></noinclude><noinclude></noinclude>
3a5un016j4mz4iegs6hsv4h5is8p0it
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/104
104
303542
607919
2026-04-22T06:18:13Z
JazarF
71952
/* بدون نص */
607919
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" /></noinclude><noinclude></noinclude>
3a5un016j4mz4iegs6hsv4h5is8p0it
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/105
104
303543
607920
2026-04-22T06:18:31Z
JazarF
71952
/* بدون نص */
607920
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" /></noinclude><noinclude></noinclude>
3a5un016j4mz4iegs6hsv4h5is8p0it
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/106
104
303544
607921
2026-04-22T06:18:43Z
JazarF
71952
/* بدون نص */
607921
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" /></noinclude><noinclude></noinclude>
3a5un016j4mz4iegs6hsv4h5is8p0it
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/107
104
303545
607922
2026-04-22T06:18:55Z
JazarF
71952
/* بدون نص */
607922
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" /></noinclude><noinclude></noinclude>
3a5un016j4mz4iegs6hsv4h5is8p0it
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/108
104
303546
607923
2026-04-22T06:19:06Z
JazarF
71952
/* بدون نص */
607923
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="0" user="JazarF" /></noinclude><noinclude></noinclude>
3a5un016j4mz4iegs6hsv4h5is8p0it
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/51
104
303547
607925
2026-04-22T06:33:29Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607925
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٩—}}
{{rule}}</noinclude>أنْ يَكُونَ إِذَا ٱسْتَعْتَبَ الْمُذْنِبَ سَتُورًا لَا يُشِيعُ ولَا يُذِيعُ،
وإِذَا ٱسْتُشِيرَ سَمْحًا بِالنصِيحَةِ مُجْتَهِدًا لِلرَّأْيِ، وإِذَا ٱسْتَشَارَ
مُطَّرِحًا لِلْحَياء مُنَفِّذًا لِلْحَزْمِ مُعْتَرِفًا لِلْحَقِّ.
{{نجمات}}
أَلْقَسْمُ<ref>اي العطاء او الرزق. ولا يستعمل الا مفرداً فلا جمع له</ref> الذِي يُقْسِمُ لِلنَّاسِ وَيُمْتَعُونَ بِهِ نَحْوَانِ: فَمِنْهُ
حَارِسٌ ومِنْهُ مَحْرُوسٌ. فالْحارِسُ الْعَقْلُ، وَالْمَحْرُوسُ الْمَالُ.
والْعَقْلُ — بِإِذْنِ اللّٰهِ — هُوَ الَّذِي يُحْرِزُ الْحَظ، ويُؤْنِسُ الْغُرْبَةَ
ويَنْفِي الْفَاقَةَ، ويُعرِّفُ النَّكِرَةَ، وَيُثَمِّرُ الْمَكْسَبَةَ، وَيُطَيِّبُ
الثَّمَرَةَ، ويُوَجِّهُ السُّوقَةَ عِنْدَ السُّلْطانِ، ويَسْتَنْزِلُ لِلسُّلْطانِ
نَصِيحَةَ السُّوقَةَ، ويُكْسِبُ الصَّدِيقَ، ويَكْفِي الْعَدُوَّ.
{{نجمات}}
{{nop}}<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
n1z58aohotzmx7938tecc456bt9q9h5
607926
607925
2026-04-22T06:34:05Z
JazarF
71952
607926
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٢٩—}}
{{rule}}</noinclude>أنْ يَكُونَ إِذَا ٱسْتَعْتَبَ الْمُذْنِبَ سَتُورًا لَا يُشِيعُ ولَا يُذِيعُ، وإِذَا ٱسْتُشِيرَ سَمْحًا بِالنصِيحَةِ مُجْتَهِدًا لِلرَّأْيِ، وإِذَا ٱسْتَشَارَ مُطَّرِحًا لِلْحَياء مُنَفِّذًا لِلْحَزْمِ مُعْتَرِفًا لِلْحَقِّ.
{{نجمات}}
أَلْقَسْمُ<ref>اي العطاء او الرزق. ولا يستعمل الا مفرداً فلا جمع له</ref> الذِي يُقْسِمُ لِلنَّاسِ وَيُمْتَعُونَ بِهِ نَحْوَانِ: فَمِنْهُ حَارِسٌ ومِنْهُ مَحْرُوسٌ. فالْحارِسُ الْعَقْلُ، وَالْمَحْرُوسُ الْمَالُ. والْعَقْلُ — بِإِذْنِ اللّٰهِ — هُوَ الَّذِي يُحْرِزُ الْحَظ، ويُؤْنِسُ الْغُرْبَةَ ويَنْفِي الْفَاقَةَ، ويُعرِّفُ النَّكِرَةَ، وَيُثَمِّرُ الْمَكْسَبَةَ، وَيُطَيِّبُ الثَّمَرَةَ، ويُوَجِّهُ السُّوقَةَ عِنْدَ السُّلْطانِ، ويَسْتَنْزِلُ لِلسُّلْطانِ نَصِيحَةَ السُّوقَةَ، ويُكْسِبُ الصَّدِيقَ، ويَكْفِي الْعَدُوَّ.
{{نجمات}}
{{nop}}<noinclude>{{rule}}
{{smallrefs}}</noinclude>
0so9vsdag4554t8sqb2xt2jjlswe93a
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/52
104
303548
607927
2026-04-22T06:50:44Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607927
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٣٠—}}
{{rule}}</noinclude>كَلَامُ اللَّبِيبِ — وإِنْ كانَ نَزْرَا — أَدَبُ عَظيمٌ. ومُقَارَفَةُ الْمَاثَمِ — وإِنْ كانَ مُختَقَرًا — مُصِيبَةُ جَلِيلَةٌ. ولِقَاءُ الإِخْوَانِ — وإِنْ كانَ يَسِيرًا - غُنْمٌ حَسَنٌ.
{{نجمات}}
قَدْ يَسْعَى إِلَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ أَجْنَاسٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ. أَمَّا الصَّالِحُ فَمَدْعُوٌ، وأَمَّا الطَّالِحُ فَمُقْتَحِمٌ، وأَمَّا ذُو الْأَدَبِ فَطالِبٌ، وأَمَّا مَنْ لَا أَدَبَ لَهُ فَمُخْتَلِسٌ، وأَمَّا الْقَوِيُّ فَمُدَافِعٌ، وأَمَّا الضَّعِيفُ فَمَدْفُوعٌ، وأَمَّا الْمُحْسِنُ فَمُسْتَثِيبٌ، وأَمَّا الْمُسِيءُ فَمُسْتَجِيرٌ. فَهُوَ مَجْمَعُ الْبَرّ والْفَاجِرِ، والْعَالِمِ والْجَاهِلِ، والشَّرِيفِ والْوَضِيعِ.
{{نجمات}}
أَلنَّاسُ — إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ عَصَم اللّٰهُ — مَدْخُولُونَ في أُمُورِهِمْ:<noinclude></noinclude>
it5tfx1kcykq7o81qwc8tnzcpkbmiaq
607928
607927
2026-04-22T06:51:12Z
JazarF
71952
607928
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٣٠—}}
{{rule}}</noinclude>كَلَامُ اللَّبِيبِ — وإِنْ كانَ نَزْرَا — أَدَبُ عَظيمٌ. ومُقَارَفَةُ الْمَاثَمِ — وإِنْ كانَ مُحْتَقَرًا — مُصِيبَةُ جَلِيلَةٌ. ولِقَاءُ الإِخْوَانِ — وإِنْ كانَ يَسِيرًا - غُنْمٌ حَسَنٌ.
{{نجمات}}
قَدْ يَسْعَى إِلَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ أَجْنَاسٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ. أَمَّا الصَّالِحُ فَمَدْعُوٌ، وأَمَّا الطَّالِحُ فَمُقْتَحِمٌ، وأَمَّا ذُو الْأَدَبِ فَطالِبٌ، وأَمَّا مَنْ لَا أَدَبَ لَهُ فَمُخْتَلِسٌ، وأَمَّا الْقَوِيُّ فَمُدَافِعٌ، وأَمَّا الضَّعِيفُ فَمَدْفُوعٌ، وأَمَّا الْمُحْسِنُ فَمُسْتَثِيبٌ، وأَمَّا الْمُسِيءُ فَمُسْتَجِيرٌ. فَهُوَ مَجْمَعُ الْبَرّ والْفَاجِرِ، والْعَالِمِ والْجَاهِلِ، والشَّرِيفِ والْوَضِيعِ.
{{نجمات}}
أَلنَّاسُ — إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ عَصَم اللّٰهُ — مَدْخُولُونَ في أُمُورِهِمْ:<noinclude></noinclude>
cyw0z5ctv0geqcw3fqwlkcqn13lvxx7
607929
607928
2026-04-22T06:51:41Z
JazarF
71952
607929
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٣٠—}}
{{rule}}</noinclude>كَلَامُ اللَّبِيبِ — وإِنْ كانَ نَزْرَا — أَدَبُ عَظيمٌ. ومُقَارَفَةُ الْمَاثَمِ — وإِنْ كانَ مُحْتَقَرًا — مُصِيبَةُ جَلِيلَةٌ. ولِقَاءُ الإِخْوَانِ — وإِنْ كانَ يَسِيرًا — غُنْمٌ حَسَنٌ.
{{نجمات}}
قَدْ يَسْعَى إِلَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ أَجْنَاسٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ. أَمَّا الصَّالِحُ فَمَدْعُوٌ، وأَمَّا الطَّالِحُ فَمُقْتَحِمٌ، وأَمَّا ذُو الْأَدَبِ فَطالِبٌ، وأَمَّا مَنْ لَا أَدَبَ لَهُ فَمُخْتَلِسٌ، وأَمَّا الْقَوِيُّ فَمُدَافِعٌ، وأَمَّا الضَّعِيفُ فَمَدْفُوعٌ، وأَمَّا الْمُحْسِنُ فَمُسْتَثِيبٌ، وأَمَّا الْمُسِيءُ فَمُسْتَجِيرٌ. فَهُوَ مَجْمَعُ الْبَرّ والْفَاجِرِ، والْعَالِمِ والْجَاهِلِ، والشَّرِيفِ والْوَضِيعِ.
{{نجمات}}
أَلنَّاسُ — إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ عَصَم اللّٰهُ — مَدْخُولُونَ في أُمُورِهِمْ:<noinclude></noinclude>
789pp103u8l21x48rysvrk7zlbarc9u
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/53
104
303549
607930
2026-04-22T07:00:59Z
JazarF
71952
/* لم تصحح */ أنشأ الصفحة ب'- ۳۱ فَقَايَّاهُم باغ ، وساميهُم عَيَّاب، وسائِلُهُمْ مُتَعَنْتُ، وَتُحِيهُم متكلف، روَاعِظاهُمْ غَيْرُ مُحَمَّقٍ لِقَوْلِهِ بِالْفِعَلِ، وَمَوْعُوظُهُمْ غَيْرُ سَلِيمٍ مِنَ الاستخفاف ، وَالْأَمِينَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُتَحَفِظ مِنْ إتيان الخِيانَةِ ، و...'
607930
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="JazarF" />{{وسط|—٣١—}}
{{rule}}</noinclude>-
۳۱
فَقَايَّاهُم باغ ، وساميهُم عَيَّاب، وسائِلُهُمْ مُتَعَنْتُ، وَتُحِيهُم
متكلف، روَاعِظاهُمْ غَيْرُ مُحَمَّقٍ لِقَوْلِهِ بِالْفِعَلِ، وَمَوْعُوظُهُمْ
غَيْرُ سَلِيمٍ مِنَ الاستخفاف ، وَالْأَمِينَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُتَحَفِظ مِنْ
إتيان الخِيانَةِ ، والصَّدُوقَ خَيْرُ مُحْتَرسِ مِنْ حَدِيثِ الْكَذَبَةِ ،
وذُو الدِّينِ غَيْرُ مُتَوَرّع مَنْ تَفْرِيطِ الْفَجَرَةِ ، وَالْحَازِمُ مِنْهُم
غَيْرُ تارك ماتوقع الدوائر .
يَتَنَا قَضُونَ الْبِنَاءِ ، وَيَتَرَاقَبُونَ الدُّولَ ، ويَتَعَايَهُونَ بِالْهَمْز
موامُونَ في الرَّخَاءِ بالتَّحَاسُد ، وفى الشِدَّةِ بالتَخَاذُلِ
*
**
كمْ قَدِ انْتُرْعَتِ الدُّنْيَا مِمَّنِ اسْتَمْكَنَ مِنْهَا وَاعْتَكَمت
لَهُ . فَأَصْبَحَتِ الْأَعْمَالُ أَعْمَالَهُمْ وَالدُّنْيا دُنيا غَيْرِهِم ، وأَخَدَ
مناتهم مَنْ لَمْ يَحمدهم ، وخرجوا إلى مَنْ لَا يَدُرُهُمْ .<noinclude></noinclude>
ljiscyy2ay1elhj04nvvb5mvh0gm31b
607931
607930
2026-04-22T07:01:39Z
JazarF
71952
607931
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="JazarF" />{{وسط|—٣١—}}
{{rule}}</noinclude>فَقَايَّاهُم باغ ، وساميهُم عَيَّاب، وسائِلُهُمْ مُتَعَنْتُ، وَتُحِيهُم
متكلف، روَاعِظاهُمْ غَيْرُ مُحَمَّقٍ لِقَوْلِهِ بِالْفِعَلِ، وَمَوْعُوظُهُمْ
غَيْرُ سَلِيمٍ مِنَ الاستخفاف ، وَالْأَمِينَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُتَحَفِظ مِنْ
إتيان الخِيانَةِ ، والصَّدُوقَ خَيْرُ مُحْتَرسِ مِنْ حَدِيثِ الْكَذَبَةِ ،
وذُو الدِّينِ غَيْرُ مُتَوَرّع مَنْ تَفْرِيطِ الْفَجَرَةِ ، وَالْحَازِمُ مِنْهُم
غَيْرُ تارك ماتوقع الدوائر .
يَتَنَاقَضُونَ الْبِنَاءِ ، وَيَتَرَاقَبُونَ الدُّولَ ، ويَتَعَايَهُونَ بِالْهَمْز
موامُونَ في الرَّخَاءِ بالتَّحَاسُد ، وفى الشِدَّةِ بالتَخَاذُلِ
{{نجمات}}
كمْ قَدِ انْتُرْعَتِ الدُّنْيَا مِمَّنِ اسْتَمْكَنَ مِنْهَا وَاعْتَكَمت
لَهُ . فَأَصْبَحَتِ الْأَعْمَالُ أَعْمَالَهُمْ وَالدُّنْيا دُنيا غَيْرِهِم ، وأَخَدَ
مناتهم مَنْ لَمْ يَحمدهم ، وخرجوا إلى مَنْ لَا يَدُرُهُمْ .
{{nop}}<noinclude></noinclude>
5xtyryi91kv41n0ycebycjihtboyv94
صفحة:الأدب الصغير لابن المقفع.pdf/54
104
303550
607932
2026-04-22T10:04:37Z
JazarF
71952
/* صُححّت */
607932
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="3" user="JazarF" />{{وسط|—٣٢—}}
{{rule}}</noinclude>فأَصْبَحْنَا خَلَفًا مِنْ بَعْدِهِمْ، نَتَوَقَّعُ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِم. فَنَحْنُ، إِذَا تَدَبَّرْنا أُمُورَهُمْ، أَحِقَّاءُ أَنْ نَنْظُرَ ما نَغْبِطُهُمْ بِهِ فَنَتَّبِعَهُ وما نَخافُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ فَتَجْتَنِبَهُ.
{{نجمات}}
كانَ يُقالُ إِنَّ اللّٰهَ تَعَالَى قَدْ يَأْمُرُ بِالشيْءِ ويَبْتَلي بِثِقَلِهِ، ويَنْهَى عَن الشَّيْءِ وَيَبْتَلِي بِشَهْوَتِهِ.
فإِذَا كُنْتَ لَا تَعْمَلُ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا ما ٱشْتَهَيْتَهُ ولا تَتْرُكُ مِنَ الشَّرِ إِلا ما كَرِهْتَهُ، فَقَدْ أَطْلَعْتَ الشَّيْطانَ عَلى عَوْرَتِكَ وأَمْكنْتَهُ مِنْ رُمَّتِكَ<ref>اي مقودك</ref>. فأَوْشَكَ أَنْ يَقْتَحِمَ عَلَيْكَ فيما تُحِبُّ مِنَ الْخَيْرِ فَيُكَرِّهَهُ إِلَيْكَ، وفِيما تَكْرَهُ مِنَالشَّرِّ فَيُحبِّبَهُ إِلَيْكَ. ولَكِنْ يَنْبَغِي لَكَ في حُبِّ مَا تُحِبُّ مِنَ<noinclude></noinclude>
jf3a3yc62cd669e37qly4m8dxpkfk1d